مراسلات بلا جواب وأبواب موصدة.. متقاعدون بنكيون يصعّدون ضد إدارة الصندوق التعاضدي المهني المغربي

هبة زووم – الرباط
في مشهد يثير أسئلة محرجة حول التواصل المؤسساتي واحترام حق المنخرطين في الحصول على الأجوبة، اختار متقاعدون بنكيون كسر جدار الصمت وتوجيه رسالة مفتوحة إلى المدير العام للصندوق التعاضدي المهني المغربي (CMIM)، بعدما أكدوا أن محاولاتهم المتكررة لعرض انشغالاتهم عبر القنوات الإدارية المعتادة اصطدمت، بحسب روايتهم، برفض التوصل بمراسلة جديدة، وبغياب أي جواب عن مراسلة سابقة جرى تبليغها بواسطة مفوض قضائي.
ولم يكن أصحاب الرسالة، وفق ما جاء في مضمونها، يرغبون في نقل خلافهم مع إدارة الصندوق إلى الرأي العام، لكن ما وصفوه بانسداد قنوات التواصل دفعهم إلى تجاوز المراسلات الإدارية نحو مخاطبة المتقاعدين البنكيين والمنخرطين والجهات المعنية علناً، في خطوة تضع طريقة تدبير العلاقة مع المنخرطين تحت مجهر المساءلة.
وتكمن المفارقة في أن مؤسسة تعاضدية يُفترض أن تكون مصالح المنخرطين في صلب أولوياتها تجد نفسها، وفق هذه الشكاية، أمام انتقادات تتعلق بأبسط قواعد التواصل الإداري: استقبال المراسلات، وتوثيق التوصل بها، وتقديم أجوبة واضحة عن المطالب المطروحة. وهي ممارسات، متى ثبت الإخلال بها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية، بل باعتبارها مدخلاً أساسياً لضمان الثقة والشفافية.
مفوض قضائي ورسالة بلا جواب.. لماذا يتعثر التواصل؟
بحسب أصحاب الرسالة، سبق لهم اللجوء إلى مفوض قضائي لتبليغ مراسلة إلى إدارة الصندوق، مع تأكيدهم أن واقعة التوصل ثابتة، غير أنهم لم يتلقوا جواباً عن مضمونها، وفي المحاولة الأخيرة، يقولون إن مصالح الإدارة احتفظت بالمراسلة لأكثر من ساعة، قبل أن ترفض التوقيع على نسختها بما يفيد التوصل بها.
وتثير هذه الرواية تساؤلات مشروعة حول كيفية تدبير المراسلات والشكايات داخل المؤسسة، ومدى وجود مسطرة واضحة تضمن تسجيل مطالب المنخرطين وتتبعها والرد عليها في آجال معقولة. فالمؤسسات لا تُختبر فقط في قدرتها على اتخاذ القرارات، بل كذلك في استعدادها للإنصات إلى من يطالبون بالتوضيح والمساءلة.
وإذا كانت إدارة الصندوق تتوفر على معطيات أو مبررات تفسر ما جرى، فإن تقديمها للرأي العام من شأنه أن يساعد على توضيح الصورة ووضع حد للجدل، بدل ترك المجال مفتوحاً للتأويلات وتراكم الشكوك.
مساهمات ترتفع وخدمات تثير القلق.. أين التوضيحات؟
الأخطر في مضمون الرسالة أن الخلاف لا يتوقف عند واقعة التوصل بالمراسلات، بل يمتد إلى ملفات تمس الحياة اليومية للمتقاعدين البنكيين والمنخرطين، وفي مقدمتها الزيادات في المساهمات، وما يصفه أصحاب الرسالة بتراجع جودة الخدمات، والتأخر في معالجة ملفات المرض والتكفل بالمستفيدين.
كما تشمل الانشغالات المطروحة المساطر المعتمدة، وصعوبات التواصل والاستقبال، والحاجة إلى توضيحات بشأن بعض الخيارات المالية والاستثمارية للصندوق.
وهي قضايا لا ينبغي أن تُترك معلقة أو أن تختزل في تبادل المراسلات، لأن الأمر يتعلق بحقوق ومصالح فئات تنتظر خدمات واضحة وفعالة، وتحتاج إلى معرفة مبررات القرارات التي تمس مساهماتها وشروط استفادتها من الخدمات التعاضدية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط لماذا تعذر التواصل، بل أيضاً ما طبيعة التدابير المتخذة لمعالجة التأخر في الملفات، وما الأسس التي تستند إليها الزيادات في المساهمات، وكيف يجري إطلاع المنخرطين على المعطيات الضرورية لفهم الخيارات المالية والتدبيرية للمؤسسة.
المنخرط ليس رقماً في سجل المساهمات
إن جوهر الأزمة التي تعكسها هذه الرسالة، إذا تأكدت الوقائع الواردة فيها، يتجاوز خلافاً إدارياً عابراً ليطرح إشكالية أوسع تتعلق بمكانة المنخرط داخل المؤسسة التعاضدية: هل يُنظر إليه باعتباره شريكاً له الحق في السؤال والحصول على المعلومة، أم مجرد مساهم يؤدي التزاماته وينتظر الخدمة دون أن يجد بالضرورة الأجوبة عن انشغالاته؟
فالشفافية ليست امتيازاً تمنحه الإدارة متى شاءت، والتواصل ليس إجراءً شكلياً يمكن الاستغناء عنه عند ظهور الخلافات. إنهما عنصران أساسيان في بناء الثقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة ترتبط خدماتها بالصحة والتكفل الاجتماعي وبمصالح المتقاعدين والمنخرطين.
ولا يمكن أن تكون الدعوة إلى الحوار ذات معنى إذا ظلت المطالب، وفق أصحابها، بلا جواب، أو إذا انتهى التواصل إلى خلاف حول مجرد إثبات التوصل بالمراسلات. فالإدارة مطالبة بتوفير قنوات واضحة لتلقي الشكايات، وتحديد المسؤوليات عن معالجتها، وتمكين المعنيين من أجوبة دقيقة بشأن الملفات التي تهمهم.
إدارة الصندوق أمام اختبار التوضيح والمساءلة
إن نشر الرسالة المفتوحة لا يشكل في حد ذاته دليلاً نهائياً على صحة جميع الانتقادات الواردة فيها، لكنه يسلط الضوء على مطالب تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً، وعلى وقائع ينبغي التحقق منها بعيداً عن الصمت أو الأحكام المسبقة.
ومن حق إدارة الصندوق التعاضدي المهني المغربي أن تقدم روايتها وتوضح موقفها من واقعة رفض التوقيع على نسخة المراسلة، ومن مآل المراسلة السابقة، ومن الانتقادات المتعلقة بالمساهمات والخدمات والملفات الصحية والخيارات المالية.
لكن المسؤولية المؤسساتية تقتضي ألا يظل النقاش أسير تبادل الاتهامات أو غياب التوضيحات. المطلوب هو أجوبة قابلة للتحقق، ومعطيات واضحة، وآليات فعالة لمعالجة الشكايات، بما يضمن حقوق المنخرطين ويعيد الاعتبار للتواصل باعتباره واجباً في التدبير، لا مجرد خيار.
وفي انتظار رد الإدارة، يبقى السؤال المركزي مطروحاً بإلحاح: إذا كانت المؤسسة التعاضدية قائمة لخدمة منخرطيها، فما الذي يمنع تحويل انشغالاتهم إلى حوار جاد وشفاف، ينتهي إلى أجوبة عملية بدل أن يدفعهم إلى نقل مطالبهم من المكاتب الإدارية إلى الرأي العام؟ فحين يتعذر الحوار داخل المؤسسات، يصبح التوضيح ضرورة، وتتحول الشفافية من شعار تدبيري إلى امتحان حقيقي للمسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد