فيلات الدولة رهينة المتقاعدين والنافذين: من يحمي الملك العمومي بتافيلالت؟

هبة زووم – الرشيدية
يتحول ما يُفترض أنه حي وظيفي مخصص لأطر الدولة إلى عنوان صارخ للاختلال في التدبير، بعدما أضحى “حي أطر المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لتافيلالت” بمدينة الرشيدية نموذجاً حياً لفوضى استغلال السكن الإداري، في غياب ربط فعلي بين الاستفادة والمهام الوظيفية.
الحي، الذي شُيّد على أراضٍ سلالية تابعة لجماعة الخنك، ويضم 46 وحدة سكنية، فقد هويته الأصلية بشكل شبه كامل، فباستثناء مهندس واحد يزاول مهامه في إطار التمديد بعد بلوغه سن التقاعد، تستغل أغلب هذه المساكن من طرف متقاعدين أو أشخاص لا تربطهم أي علاقة مهنية حالية بالمؤسسة، في وضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام القوانين المؤطرة للسكن الوظيفي.
الأخطر من ذلك، أن هذا الواقع لم ينعكس فقط على البعد القانوني، بل أفرز تشوهاً عمرانياً واضحاً، حيث تحول الحي إلى فضاء شبه مهجور، تعاني بناياته من الإهمال وغياب الصيانة، في ظل هجرة أغلب القاطنين نحو مدن أخرى، مشهد يعكس هدراً مزدوجاً: هدر للملك العمومي، وتعطيل لإمكانيات التوسع العمراني للمدينة.
وفي تفاصيل أكثر إثارة للجدل، تبرز حالات توصف بـ”الفاضحة”، من قبيل احتفاظ مسؤول سابق بسكن وظيفي داخل الحي، رغم ترقيته منذ سنة 2020 إلى إدارة مؤسسة أخرى بجهة ملوية واستفادته من سكن إداري جديد بمدينة بركان، في صورة تختزل منطق “تراكم الامتيازات” بدل ترشيدها.
كما تتحدث المعطيات عن موظف انتقل إلى فاس، وتعهد بإرجاع السكن الإداري، قبل أن يتراجع عن التزامه ويحتفظ به، في سلوك يطرح تساؤلات حول مصداقية الخطاب النقابي حين يصطدم بالمصالح الشخصية.
ولم تتوقف الاختلالات عند هذا الحد، بل تمتد إلى حالات أكثر تعقيداً، من بينها استفادة موظفين غادروا المؤسسة منذ عقود والتحقوا بهيئات أخرى، مثل الوكالة الوطنية لتنمية الواحات وشجر الأركان، دون أن يتم إرجاع المساكن التي يواصلون استغلالها خارج أي سند قانوني.
أما الحالة التي أثارت استياءً واسعاً داخل أوساط العاملين، فتتعلق بإسناد سكن إداري سنة 2010 لمسؤول تابع لوزارة الاقتصاد والمالية، لا تربطه علاقة إدارية مباشرة بالمكتب، قبل أن يغادر مهامه سنة 2016 ويحتفظ بالسكن دون أي متابعة تذكر، في خرق واضح لمبدأ تكافؤ الفرص بين المستخدمين.
هذه الوقائع مجتمعة تكشف عن خلل عميق في تدبير ملف السكن الإداري، عنوانه الأبرز: الانتقائية. فبين من التزم بإرجاع المفاتيح فور انتهاء مهامه، ومن رفض الامتثال واستمر في استغلال الملك العمومي، يبدو أن الإدارة لم تعتمد نفس المسطرة في التعامل مع الجميع، بل لجأت أحياناً إلى القوة لإفراغ البعض، في مقابل صمت مريب تجاه آخرين.
وفي ظل هذه الفوضى، يطرح السؤال بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن حكامة جيدة في تدبير الموارد العمومية، في وقت يتحول فيه السكن الإداري إلى امتياز دائم، يُورّث أحياناً، أو يُحتفظ به رغم انتفاء أي مبرر قانوني؟
ما يحدث في حي أطر تافيلالت ليس مجرد خلل إداري عابر، بل صورة مكثفة لثقافة تدبير تحتاج إلى مراجعة جذرية، قوامها ربط الاستفادة بالاستحقاق، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ووضع حد لتحويل ممتلكات الدولة إلى غنائم مفتوحة.
فبين نصوص قانونية واضحة وممارسات متراخية، يبقى الرهان اليوم على تدخل حازم يعيد الأمور إلى نصابها، ويُخرج هذا الحي من وضعه الرمادي، قبل أن يتحول إلى شاهد دائم على فشل تدبير الملك العمومي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد