فاطمة أوحسين – الحسيمة
أعادت حالات التسمم الغذائي التي شهدتها مدينة الحسيمة خلال الأيام الأخيرة طرح أسئلة ملحة حول مدى نجاعة منظومة المراقبة الصحية، وحول الدور الحقيقي الذي تضطلع به اللجان المختصة المكلفة بتتبع شروط السلامة داخل المطاعم والمحلات التجارية ونقط بيع المواد الغذائية.
ففي كل مرة تسجل فيها حالات تسمم، ينصب الاهتمام على إسعاف المصابين واحتواء الأزمة، لكن سرعان ما يبرز سؤال أكثر أهمية: لماذا لم يتم اكتشاف مكامن الخلل قبل أن تصل الأغذية غير السليمة إلى موائد المستهلكين؟ وإذا كانت أجهزة المراقبة موجودة وتمارس مهامها بانتظام، فكيف تتكرر مثل هذه الوقائع التي تهدد الصحة العامة؟
ويرى متابعون أن فلسفة الرقابة لا ينبغي أن تقوم على التدخل بعد وقوع الضرر، بل على الوقاية والاستباق، فالمراقبة الحقيقية تعني النزول المستمر إلى الميدان، وفحص ظروف إعداد وتخزين الأغذية، والتأكد من جودة الزيوت المستعملة في الطهي، وصلاحية المعلبات والمنتجات سريعة التلف، وسلامة اللحوم والأسماك، ومدى احترام شروط النظافة والتبريد داخل مختلف المحلات.
كما أن مراقبة سلاسل التبريد وآلات حفظ الأغذية لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة صحية ملحة، خصوصاً في فصل الصيف الذي ترتفع فيه درجات الحرارة ويزداد خطر تلف المواد الغذائية إذا لم تحفظ وفق المعايير المطلوبة.
وتزداد أهمية هذا الملف في مدينة تستقبل خلال الموسم الصيفي أعداداً متزايدة من الزوار وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ما يفرض رفع مستوى اليقظة وتشديد الرقابة على مختلف الفضاءات التي تقدم خدمات الإطعام، حفاظاً على صحة المستهلكين وصورة المدينة كوجهة سياحية.
وفي المقابل، يطالب عدد من الفاعلين بضرورة تقييم أداء لجان المراقبة وعدم الاكتفاء بالحملات الموسمية أو المناسباتية، مع اعتماد برنامج دائم للمراقبة الميدانية يقوم على الزيارات المفاجئة وتتبع مدى التزام المهنيين بالضوابط الصحية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من يثبت إخلاله بشروط السلامة الغذائية.
كما يثار نقاش متزايد حول أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط بالنسبة إلى المخالفين من أصحاب المحلات، وإنما أيضاً عند ثبوت أي تقصير في أداء مهام المراقبة أو غياب المتابعة الدورية التي كان من الممكن أن تمنع وقوع مثل هذه الحوادث.
إن حماية صحة المواطنين ليست مسؤولية فردية، بل هي منظومة متكاملة تتقاسمها السلطات المختصة وأجهزة المراقبة والمهنيون على حد سواء. غير أن المسؤولية الوقائية تبقى في المقام الأول على عاتق الجهات المكلفة بالتفتيش والمراقبة، التي ينتظر منها حضور ميداني دائم وفعال، حتى لا تتحول حالات التسمم الغذائي إلى مشهد متكرر كان بالإمكان تفاديه بإجراءات استباقية بسيطة ولكن حاسمة.
تعليقات الزوار