كلميمة: عندما يتحول التكوين المهني إلى معركة يومية فمن يحمي كرامة الطلبة من عذاب الانتظار على قارعة الطريق؟

هبة زووم – كلميمة
في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار تأهيل الشباب وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، يجد عشرات الطلبة المتمدرسين بمركز التكوين المهني بمدينة كلميمة أنفسهم أمام معاناة يومية لا علاقة لها بالتحصيل أو التكوين، بل بحق أساسي يتمثل في الوصول إلى المؤسسة التعليمية في ظروف تحفظ الكرامة وتكافؤ الفرص.
فمع بداية كل موسم دراسي، تتجدد فصول معاناة الطلبة المنحدرين من القصور والمداشر والمراكز المجاورة لكلميمة، خاصة مناطق تزكاغين وتنجداد وعدد من التجمعات السكنية القروية الأخرى، بسبب غياب وسائل نقل منتظمة ومخصصة تمكنهم من التنقل بين مقرات سكناهم ومركز التكوين المهني.
وتتحول رحلة العودة بالنسبة لهؤلاء الشباب إلى معاناة حقيقية تستنزف طاقتهم النفسية والجسدية، حيث يضطر العديد منهم إلى الوقوف لساعات طويلة على جنبات الطريق في انتظار وسيلة نقل عابرة أو أحد المحسنين الذين قد يتعاطفون مع ظروفهم ويوافقون على نقلهم إلى وجهتهم أو تقريبهم إلى أقرب نقطة من محل سكناهم.
ويشكل شارع الحسن الثاني بمدينة كلميمة، وبالضبط الفضاء المقابل لمركز التكوين المهني، صورة يومية تختزل حجم هذه المعاناة. فمع نهاية الحصص الدراسية، يتجمع العشرات من الطلبة في مشهد أصبح مألوفا لدى الساكنة المحلية، ينتظرون لساعات طويلة أملا في العثور على وسيلة تقلهم نحو منازلهم البعيدة.
ولم يعد هذا المشهد مجرد حالة استثنائية أو ظرفية، بل تحول إلى واقع يومي يعيشه الطلبة طيلة الموسم الدراسي، في ظل غياب أي حلول عملية أو تدخلات ملموسة من الجهات المعنية.
وتزداد صعوبة الوضع بالنظر إلى أن أغلب هؤلاء الطلبة ينحدرون من أسر محدودة الدخل لا تسمح إمكانياتها المادية بتغطية تكاليف الكراء بمدينة كلميمة أو تحمل مصاريف التنقل اليومية، وهو ما يجعلهم مجبرين على خوض هذه الرحلات المرهقة بشكل متكرر، رغم ما تسببه لهم من إرهاق وتأثير سلبي على تحصيلهم الدراسي واستقرارهم النفسي.
ويؤكد عدد من المتابعين للشأن المحلي أن مشكلة النقل لا تقل أهمية عن التكوين نفسه، لأن ضمان الولوج إلى المؤسسات التعليمية والتكوينية يشكل أحد الشروط الأساسية لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الشباب، خصوصا في المناطق القروية وشبه القروية التي تعاني أصلا من الهشاشة وضعف البنيات والخدمات.
فكيف يمكن الحديث عن تشجيع التكوين المهني ومحاربة الهدر والتسرب، في الوقت الذي يجد فيه الطالب نفسه يوميا أمام معركة جديدة للوصول إلى منزله؟ وكيف يمكن للشباب التركيز على بناء مستقبلهم المهني وهم منشغلون بالبحث عن وسيلة نقل قد تتأخر ساعات طويلة أو لا تأتي أصلا؟
وتطرح هذه الوضعية أكثر من علامة استفهام حول مدى إدراك الجهات الوصية لحجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء الطلبة. فالنقل المدرسي والطلابي لم يعد ترفا أو خدمة ثانوية، بل أصبح ضرورة اجتماعية وتنموية تساهم بشكل مباشر في ضمان استمرارية التمدرس والتكوين وتحقيق العدالة المجالية بين مختلف مناطق المملكة.
كما أن استمرار هذا الوضع يضع المسؤولية على عاتق مختلف المتدخلين، سواء تعلق الأمر بالمندوبية الجهوية لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بجهة درعة تافيلالت، أو الجماعات الترابية المعنية، أو المجلس الإقليمي، أو مجلس الجهة، باعتبار أن توفير وسائل النقل لفائدة الطلبة يدخل ضمن آليات دعم التمدرس والتكوين ومحاربة الإقصاء المجالي.
ويرى عدد من الفاعلين المحليين أن الحلول الممكنة ليست معقدة، إذ يمكن التفكير في إحداث خطوط نقل مخصصة للطلبة، أو عقد شراكات مع الجماعات الترابية وشركات النقل، أو تخصيص حافلات للنقل التكويني على غرار النقل المدرسي المعمول به في عدد من المناطق.
كما يمكن استثمار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وغيرها من آليات الدعم الاجتماعي لتوفير حلول مستدامة تضمن تنقل الطلبة في ظروف ملائمة وآمنة، بدل تركهم يوميا تحت رحمة وسائل النقل العشوائية أو انتظار تعاطف مستعملي الطريق.
إن ما يعيشه طلبة مركز التكوين المهني بكلميمة اليوم ليس مجرد إشكال لوجستيكي بسيط، بل هو عنوان لفجوة حقيقية بين الخطاب التنموي والواقع المعيش.
فالتكوين المهني الذي يقدم باعتباره رافعة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يؤدي أدواره كاملة إذا ظل المستفيدون منه يواجهون عراقيل يومية تحول دون استفادتهم من هذا الحق في ظروف طبيعية.
وأمام استمرار هذه المعاناة، تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل عاجل للجهات المختصة من أجل إيجاد حل جذري لهذا الملف، ووضع حد لمشاهد الانتظار الطويل التي أصبحت جزءا من يوميات الطلبة.
فشباب كلميمة وتنجداد وتزكاغين وباقي المناطق المجاورة لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحق بسيط ومشروع يتمثل في وسيلة نقل تحفظ كرامتهم، وتساعدهم على متابعة تكوينهم، وتمكنهم من بناء مستقبلهم دون أن يكون الطريق إليه أكثر قسوة من الفقر نفسه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد