هبة زووم – الرباط
يبدو أن الحكومة اختارت أن تغادر ولايتها تاركة خلفها واحداً من أخطر الملفات الاجتماعية والمالية في المغرب، بعدما فضلت تأجيل إصلاح منظومة التقاعد، رغم إدراج هذا الورش ضمن التزاماتها الرسمية منذ بداية الولاية الحكومية، في خطوة يراها متتبعون تكريساً لمنطق الهروب إلى الأمام بدل تحمل المسؤولية السياسية.
فالحديث عن إصلاح التقاعد لم يعد مجرد نقاش تقني أو مالي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات استراتيجية قد تكون مكلفة انتخابياً، لكنها ضرورية لإنقاذ منظومة تهددها مؤشرات العجز سنة بعد أخرى.
وفي هذا السياق، وجه مصطفى إبراهيمي، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، انتقادات لاذعة للحكومة، معتبراً أن تأجيل الإصلاح كان متوقعاً، لأن الحكومة، حسب تعبيره، “أعجز من أن تنجز إصلاحاً هيكلياً بهذا الحجم”، متهماً إياها بتغليب الحسابات الانتخابية الضيقة على المصلحة الوطنية.
وأوضح إبراهيمي أن الحكومة كانت تدرك منذ البداية حجم الاختلالات التي تعانيها صناديق التقاعد، وأن عشرات الدراسات والتقارير الاكتوارية، إلى جانب تقارير مؤسسات دستورية كالمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبنك المغرب، دقت ناقوس الخطر منذ سنوات، غير أن كل تلك التحذيرات ظلت حبيسة الرفوف، بينما استمرت الحكومة في سياسة التأجيل.
ويؤكد المتحدث أن البرنامج الحكومي تضمن التزاماً صريحاً بإصلاح منظومة التقاعد، غير أن هذا الالتزام تبخر مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، بعدما أصبح هاجس المحافظة على الشعبية الانتخابية أقوى من الجرأة على اتخاذ قرارات إصلاحية قد لا تكون شعبية، لكنها ضرورية لضمان استدامة الصناديق.
وتكشف الأرقام المتداولة حجم الأزمة، إذ تضم مختلف أنظمة التقاعد حوالي 7.5 ملايين منخرط ومستفيد، بينما يسجل الصندوق المغربي للتقاعد عجزاً سنوياً يناهز 10 مليارات درهم، فيما بلغ العجز التراكمي نحو 60 مليار درهم، وهي مؤشرات تنذر بأن كلفة الإصلاح ستزداد ارتفاعاً كلما استمر تأجيله.
ولا يقف الأمر عند حدود إصلاح الصناديق الحالية، بل يمتد إلى تعثر ورش تعميم التقاعد لفائدة ملايين المغاربة غير المشمولين بأي نظام للتقاعد، رغم أنه يشكل أحد الأعمدة الأساسية لورش الحماية الاجتماعية الذي أطلق بتوجيهات ملكية، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تعثر هذا الالتزام رغم مرور سنوات على إطلاقه.
ويرى متابعون أن الحكومة فوتت على نفسها فرصة إنجاز إصلاح كان سيحسب لها تاريخياً، واختارت بدلاً من ذلك ترحيل الأزمة إلى الحكومة المقبلة، في سلوك يعكس، حسب منتقديها، غياب الإرادة السياسية في التعاطي مع الملفات الكبرى التي تتطلب قرارات شجاعة لا حسابات انتخابية ضيقة.
والأخطر أن استمرار هذا النهج يجعل كل يوم يمر دون إصلاح يزيد من حجم العجز ويضاعف كلفة المعالجة، وهو ما قد يفرض مستقبلاً إجراءات أكثر قسوة على المنخرطين والمتقاعدين، بعدما كان بالإمكان اعتماد إصلاح تدريجي ومتوازن منذ سنوات.
وفي المقابل، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف لحكومة جعلت إصلاح التقاعد ضمن أولويات برنامجها أن تنهي ولايتها دون أن تحقق أي تقدم يذكر في هذا الورش؟ وهل أصبح تدبير الملفات الاستراتيجية في المغرب رهيناً بالحسابات الانتخابية، بدل أن يخضع لمنطق استمرارية الدولة وحماية التوازنات المالية والاجتماعية؟
إن إصلاح منظومة التقاعد لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، لأن الثمن لن تؤديه الحكومة التي سترحل، بل سيدفعه ملايين المغاربة والأجيال المقبلة. لذلك، فإن هذا الملف يستوجب مقاربة وطنية مسؤولة تتجاوز منطق الربح والخسارة الانتخابية، وتضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل الاعتبارات، مع ربط الوعود الحكومية بالمحاسبة حتى لا تتحول البرامج الحكومية إلى مجرد شعارات انتخابية سرعان ما تتبخر أمام أول اختبار حقيقي للمسؤولية.
تعليقات الزوار