هبة زووم – حسون عبدالعالي
ليست أزمة الجماعات الترابية في المغرب أزمة نصوص قانونية، ولا أزمة اختصاصات. فمنذ دستور 2011، وما تلاه من صدور القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، أصبح الإطار القانوني يمنح المجالس المنتخبة صلاحيات واسعة في التخطيط، والتنمية، والتدبير المالي والعقاري، وإبرام الشراكات، وتقديم الخدمات العمومية. لكن، وبعد أكثر من عقد على هذا الورش، ما تزال الحصيلة تطرح سؤالاً مؤرقاً: لماذا لا تنعكس هذه الصلاحيات على جودة التدبير المحلي؟
الجواب، في جانب كبير منه، لا يوجد في النصوص، بل في طبيعة النخب التي تفرزها الأحزاب السياسية. فالقوانين، مهما بلغت درجة تطورها، تظل عاجزة عن تحقيق أهدافها إذا أوكل تنفيذها إلى منتخبين يفتقرون إلى التأهيل القانوني والإداري والتقني الذي تفرضه مسؤولية تدبير الشأن العام.
ففي الأنظمة الديمقراطية الراسخة، لا يُقاس نجاح الأحزاب بعدد المقاعد التي تحصدها فقط، بل بقدرتها على تكوين النخب، وتأطير المواطنين، وإعداد مسؤولين يمتلكون الكفاءة اللازمة لتحمل المسؤولية. أما حين تتحول الأحزاب إلى مجرد آلات انتخابية، يصبح معيار الفوز في صناديق الاقتراع أهم من معيار القدرة على إدارة المؤسسات بعد إعلان النتائج.
هذا التحول يفسر جانباً من الاختلالات التي تعرفها العديد من الجماعات الترابية. فالتدبير المحلي اليوم لم يعد عملاً بسيطاً أو قائماً على حسن النية فقط، بل أصبح مجالاً يتطلب الإلمام بالمالية العمومية، وقوانين الصفقات، ووثائق التعمير، والعقار العمومي، وآليات الحكامة، والتخطيط الاستراتيجي، ومقتضيات الرقابة الإدارية والقضائية. وهي مجالات لا يمكن الإحاطة بها دون تكوين مستمر وخبرة عملية.
غير أن واقع الممارسة يكشف أن معيار الكفاءة غالباً ما يتراجع أمام اعتبارات أخرى عند توزيع التزكيات الحزبية. فالقدرة على استقطاب الأصوات، أو النفوذ المحلي، أو التوازنات الداخلية، تتحول في كثير من الأحيان إلى عوامل حاسمة في اختيار المرشحين، بينما توضع الخبرة والتكوين في مرتبة ثانوية.
وعندما يصبح الفوز بالانتخابات هو الغاية الوحيدة، تتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات لتدبير الأخطاء بدل صناعة السياسات العمومية. فتبرز قرارات تفتقر إلى السند القانوني، واختلالات في تدبير العقار الجماعي، وإشكالات في منح الرخص، وتعثر في تنفيذ المشاريع، ونزاعات تنتهي أمام المحاكم الإدارية، في وقت كان بالإمكان تفادي جزء كبير منها لو أُسندت المسؤولية إلى كفاءات مؤهلة.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في شرعية المنتخبين، فهذه الشرعية يمنحها صندوق الاقتراع، لكنها، وحدها، لا تكفي لضمان حسن التدبير. فالشرعية الانتخابية تمنح الحق في ممارسة المسؤولية، أما الكفاءة فهي التي تضمن جودة ممارستها. وعندما تغيب الثانية، تصبح الأولى عاجلة عن تحقيق التنمية التي ينتظرها المواطن.
لقد منح القانون التنظيمي رقم 113.14 الجماعات اختصاصات واسعة، لكنه في المقابل ربطها بمسؤوليات ثقيلة تتطلب فهماً دقيقاً للنصوص القانونية، وحسن تدبير المال العام، واحترام مبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن ثم، فإن أي خلل في اختيار النخب ينعكس مباشرة على أداء الجماعات، ويؤثر في جودة الخدمات العمومية، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
من هنا، فإن إصلاح الجماعات الترابية لا يمكن أن يقتصر على تعديل القوانين أو تعزيز الموارد المالية، بل ينبغي أن يبدأ من إصلاح آليات إنتاج النخب داخل الأحزاب السياسية نفسها. فالحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المرشحين، بل إلى مزيد من الكفاءات. كما أن التزكية ينبغي أن تصبح ثمرة مسار من التكوين والخبرة والالتزام، لا مجرد مكافأة على الحضور الانتخابي أو القدرة على التعبئة.
إن الأحزاب السياسية ليست فقط أدوات للتنافس على السلطة، بل هي مؤسسات دستورية تضطلع بوظيفة أساسية تتمثل في تأطير المواطنين والمساهمة في تكوين النخب القادرة على تدبير الشأن العام. وكلما تراجعت هذه الوظيفة، تراجعت معها جودة المؤسسات المنتخبة، واتسعت الفجوة بين النصوص القانونية المتقدمة والممارسة اليومية.
إن الرهان الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم ليس تنظيم انتخابات جديدة، بل إنتاج نخب جديدة. فالتنمية المحلية لا يصنعها عدد المقاعد، وإنما تصنعها كفاءة من يشغلها. وما لم تتحول الكفاءة إلى المعيار الأول في منح التزكيات، ستظل الجماعات الترابية تدور في الحلقة نفسها، وسيبقى المواطن هو الخاسر الأكبر من معادلة تُقدّم الولاء والقدرة على حشد الأصوات على المعرفة والخبرة والاستحقاق.
تعليقات الزوار