هبة زووم – إلياس الراشدي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تعود إلى الواجهة بإقليم طنجة مظاهر سياسية تثير الكثير من علامات الاستفهام، في مقدمتها ما يتردد داخل الأوساط السياسية عن تحركات ومفاوضات غير معلنة بين بعض حاملي التزكيات الحزبية ومرشحين محتملين، في مشهد يعيد النقاش حول نزاهة التنافس الانتخابي وحدود الأخلاق السياسية.
فالرهان الديمقراطي لا يقاس فقط بعدد الأحزاب والمرشحين، وإنما بمدى احترام قواعد المنافسة الشريفة، القائمة على البرامج والأفكار، لا على الصفقات والاتفاقات التي قد تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي، وتحول التزكية الحزبية من مسؤولية سياسية إلى مجرد ورقة قابلة للتفاوض والمساومة.
وبحسب معطيات متداولة في الأوساط السياسية، فإن بعض حاملي التزكيات عن أحزاب صغيرة دخلوا، خلال الأسابيع الأخيرة، في مفاوضات مع مرشح ينتمي إلى أحد الأحزاب الكبرى.
وتشير هذه المعطيات إلى أن النقاش لا يتعلق، بحسب الروايات المتداولة، بتنسيق سياسي أو تحالف معلن يقوم على برامج أو رؤى مشتركة، وإنما يدور حول إمكانية العدول عن الترشح وإعلان دعم لائحة منافسة، في ظروف تثير تساؤلات حول طبيعة هذه التفاهمات وخلفياتها.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تطرح إشكالاً يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية، ليمس جوهر الثقة في المؤسسات التمثيلية.
فالتزكية الحزبية ليست ملكاً شخصياً يمكن التصرف فيه بمنطق الربح والخسارة، بل هي تعاقد سياسي وأخلاقي مع الحزب والناخبين، يفترض أن يعكس قناعة ببرنامج سياسي، لا أن يتحول إلى أداة للمساومة أو تحقيق مكاسب ظرفية.
وتبقى مسؤولية الأحزاب السياسية، في هذا السياق، مضاعفة، لأنها مطالبة بحماية مصداقية تزكياتها، ومراقبة سلوك مرشحيها، وعدم السماح بتحويلها إلى أوراق تفاوض قد تسيء إلى صورتها وإلى صورة الحياة السياسية برمتها.
كما أن السلطات المختصة مدعوة إلى تتبع كل ما من شأنه التأثير غير المشروع في سلامة العملية الانتخابية، كلما توفرت معطيات جدية تستوجب البحث والتحقق، ضماناً لتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، وصيانة لحرية الاختيار التي يكفلها القانون للناخبين.
لقد سئم المواطنون من مشاهد التحالفات الموسمية التي تتشكل بعيداً عن النقاش العمومي، ومن الممارسات التي تجعل الحسابات الشخصية تتقدم على المصلحة العامة. فالناخب اليوم أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين التوافقات السياسية المشروعة التي تقوم على برامج واضحة، وبين التفاهمات التي قد تُبنى على منطق المصالح الضيقة.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة أي تجربة ديمقراطية لا تقاس بعدد اللوائح المتنافسة، بل بقدرتها على إنتاج تنافس نزيه وشفاف، تكون فيه صناديق الاقتراع وحدها الفيصل، بعيداً عن كل ما من شأنه أن يثير الشكوك حول سلامة الإرادة الشعبية.
أما كل الادعاءات المتداولة بشأن وجود مفاوضات أو صفقات انتخابية، فإنها تبقى في حاجة إلى التحقق من الجهات المختصة، بما يضمن حماية نزاهة الاستحقاقات وصون ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي.