قصة 210 مليارات ولقجع أو حين تصبح الميزانية العمومية مادة للصراع الحزبي

هبة زووم – الرباط
نفت مصادر متطابقة وجيدة الاطلاع من داخل حزب الأصالة والمعاصرة صحة الأخبار والادعاءات المتداولة بشأن صدور مرسوم في الجريدة الرسمية يمنح فوزي لقجع صلاحيات منفردة ومباشرة للتصرف في مبلغ يناهز 210 مليارات درهم المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة وتقليص الفوارق المجالية، معتبرة أن ما يتم تداوله لا يعدو أن يكون روايات غير صحيحة ومضللة للرأي العام.
وبعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة، فإن خطورة هذه الرواية لا تكمن فقط في مدى ارتباطها باسم لقجع، وإنما في الصورة المؤسساتية التي تحاول رسمها للرأي العام، وكأن أموالاً عمومية بهذا الحجم يمكن أن توضع رهن إشارة شخص واحد، لمجرد أنه يشغل مسؤولية حكومية ومالية، أو بسبب التحاقه بحزب سياسي.
فالميزانية العمومية ليست غنيمة حزبية، والاعتمادات المالية المخصصة للبرامج التنموية لا تُصرف بمنطق التعليمات الانتخابية ولا وفق أهواء الأشخاص، وإنما تخضع لمنظومة قانونية ومؤسساتية وآليات للمراقبة والتأشير والتنفيذ، وهو ما يجعل الحديث عن “صلاحيات منفردة” لصرف 210 مليارات درهم بحاجة، قبل كل شيء، إلى وثيقة رسمية واضحة لا إلى منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
من يحاول خلط المال العام بالانتخابات؟
الأكثر إثارة للانتباه في هذه القضية هو محاولة ربط البرامج التنموية المقبلة بالاستحقاقات الانتخابية، وكأن كل مشروع عمومي يتحول تلقائياً إلى ورقة انتخابية، وكل مسؤول يملك علاقة بملف مالي يصبح بالضرورة صاحب نفوذ انتخابي مباشر.
وهنا تحديداً ينبغي التفريق بين التدبير الإداري للبرامج العمومية وبين التنافس الحزبي والانتخابي، فالإدارة الترابية، من ولاة وعمال، تضطلع بالأدوار التي يحددها القانون في تأطير العمليات الانتخابية، بينما تظل البرامج والاعتمادات العمومية محكومة بقواعد المالية العمومية وبمساطر التنفيذ والمراقبة.
أما محاولة تقديم الأمر وكأنه عملية تسليم لمفاتيح خزينة عمومية إلى مسؤول حزبي، فهي ليست فقط قراءة سطحية لبنية الدولة، بل قد تكون أيضاً محاولة متعمدة لإثارة الشك في المؤسسات وتغذية خطاب سياسي يقوم على الإيحاء أكثر مما يقوم على الوثيقة والحجة.
لقجع في قلب العاصفة والبام في مرمى الاستهداف
مصادر من داخل الأصالة والمعاصرة ترى أن استهداف فوزي لقجع بهذه الروايات لا ينفصل عن السياق السياسي الحالي، خصوصاً مع التحاقه بالحزب واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: هل لقجع يملك 210 مليارات درهم؟ بل: من أين جاءت هذه الرواية أصلاً؟ ومن يقف وراء ضخها بهذا الشكل؟ وما الوثيقة التي استند إليها مروجوها؟
فالسياسة الجادة لا تُبنى على “قيل” و”يروج”، ولا على عناوين مثيرة تُسند إلى مرسوم غير موجود أو صلاحيات لم يثبت منحها.
وإذا كانت الجهات التي تروج لهذه المعطيات تملك فعلاً وثيقة رسمية تثبت ادعاءاتها، فلتنشرها للرأي العام. أما إطلاق أرقام ضخمة وربطها مباشرة باسم مسؤول حزبي دون تقديم السند القانوني، فلا يمكن اعتباره سوى محاولة لصناعة قضية سياسية من مادة غير مكتملة.
المعركة الانتخابية لا تبرر صناعة الأخبار
مع اقتراب الانتخابات، يبدو أن بعض الأطراف بدأت تبحث عن كل ما يمكن أن يتحول إلى مادة للصراع السياسي، حتى ولو تعلق الأمر ببرامج تنموية يفترض أن تكون فوق الحسابات الحزبية.
وهنا تكمن المفارقة: الجميع يتحدث عن ضرورة حماية المال العام من التوظيف السياسي، لكن البعض لا يتردد في تسييس كل درهم عمومي بمجرد ارتباط الملف بمسؤول ينتمي إلى حزب معين.
والأخطر أن يتحول المواطن إلى مجرد متلقٍ لروايات متضاربة، بين من يقول إن هناك “210 مليارات” تحت تصرف شخص واحد، ومن ينفي ذلك، بينما تغيب الوثيقة التي يفترض أن تحسم النقاش.
لذلك، فإن الرد الحقيقي على هذه القضية لا ينبغي أن يكون حزبياً فقط، بل مؤسساتياً وشفافاً: نشر المرسوم أو القرار المعني، توضيح طبيعة الاعتمادات، الجهات المخولة بالتنفيذ، ومساطر صرفها ومراقبتها، أما غير ذلك، فليس سوى ضجيج انتخابي مبكر.
فالمال العام لا يحتاج إلى ناطق حزبي، بل إلى القانون. والانتخابات لا تحتاج إلى إشاعات، بل إلى تنافس البرامج والحصيلة. ومن يريد إسقاط خصمه سياسياً، فليواجهه بصندوق الاقتراع، لا بصناعة روايات لا تصمد أمام أول سؤال: أين الوثيقة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد