العرائش.. بين كثرة المشاريع وواقع الخدمات أين تبدأ مسؤولية العامل بوعاصم العالمين وأين تنتهي؟

هبة زووم – إلياس الراشدي
ليست العرائش في حاجة إلى مزيد من الخطابات المنمقة عن التنمية بقدر حاجتها إلى خدمات عمومية يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، فحين يصبح الوصول إلى العلاج، وقضاء غرض إداري، واستعمال فضاء عمومي، والتنقل، والاستفادة من النظافة والتجهيزات الأساسية، مصدر معاناة متكررة، فإن الحديث عن التنمية لا يمكن أن يبقى حبيس المشاريع والبلاغات والصور الرسمية.
المدينة وإقليمها يواجهان، بحسب ما تعكسه النقاشات المحلية وتقارير إعلامية متواترة، مجموعة من التحديات المرتبطة بالخدمات والتجهيزات والمرافق. وفي مقدمة الملفات التي تستدعي الانتباه يبرز القطاع الصحي، حيث سبق لإدارة المنطقة الصحية أن أعلنت، في يونيو الماضي، عن إجراءات مرتبطة بإعادة تأهيل مستشفى القرب بالقصر الكبير بعد الأضرار التي لحقت به جراء الفيضانات، وعن الاستعداد لتزويده بمعدات طبية وتقنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمجموعة الصحية الترابية، لكن المواطن لا يعيش على الوعود وحدها.
الصحة ليست ملفاً إدارياً عادياً يمكن تأجيله إلى حين استكمال الدراسات أو إطلاق طلبات العروض. إنها خدمة مرتبطة مباشرة بحياة الناس، وكل تأخير فيها يمكن أن يتحول إلى معاناة حقيقية.
وإذا كانت الإدارة الصحية تتحدث عن إصلاحات وتجهيزات وإعادة تأهيل، فإن المطلوب هو أن تظهر نتائج هذه الإجراءات على أرض الواقع: هل تحسنت ظروف استقبال المرضى؟ هل تقلص الضغط على المستشفى الإقليمي؟ هل أصبحت التجهيزات والموارد البشرية متوفرة بالقدر الكافي؟ وهل وصلت الخدمة الصحية فعلاً إلى المواطن في الوقت والمكان المناسبين؟
هذه الأسئلة لا تستهدف موظفاً بعينه، ولا تحمل العامل مسؤولية تدبير قطاع صحي يخضع لجهات مختصة، لكنها تضع على طاولة السلطة الإقليمية مسؤولية التنسيق والتتبع ورفع الاختلالات والدفع نحو معالجة الملفات التي تؤثر مباشرة في حياة السكان.
في زمن الرقمنة، لم يعد مقبولاً أن يبقى المواطن مضطراً إلى التنقل بين الإدارات بحثاً عن وثيقة أو توقيع أو معلومة يمكن، في عدد من الحالات، تبسيط مساطرها أو رقمنتها.
والسؤال في العرائش ليس فقط: كم إدارة توجد؟ بل: كم خدمة يمكن للمواطن إنجازها بسهولة، وبأقل عدد ممكن من التنقلات؟ فالتحول الرقمي لا ينبغي أن يكون مجرد واجهات إلكترونية وشعارات، وإنما وسيلة فعلية لتقليص آجال الانتظار وتبسيط المساطر وتحسين علاقة المواطن بالإدارة.
الحدائق والساحات والأرصفة والمرافق الرياضية والثقافية ليست كماليات يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، إنها جزء من جودة الحياة، خصوصاً في مدينة تستقبل سكاناً وزواراً وتتوفر على مؤهلات سياحية ومجالية مهمة.
وقد أثارت وضعية مشروع تهيئة الشرفة الأطلسية بالعرائش، في وقت سابق، نقاشاً حول بطء الأشغال وجودتها والفضاءات الخضراء والإنارة والنظافة، مع الإشارة إلى اجتماع سابق ترأسه عامل الإقليم وزيارة ميدانية لاحقة للمشروع. وهي وقائع تعكس، في حد ذاتها، أهمية الانتقال من الاجتماعات والمحاضر إلى تتبع التنفيذ والآجال والنتائج.
فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد الاجتماعات التي عُقدت، بقدر ما يريد أن يرى: رصيفاً صالحاً، حديقة نظيفة، إنارة تعمل، وفضاءً عمومياً يحترم كرامته.
النقل بدوره جزء من معادلة الخدمات العمومية، وإذا كانت عمالة الإقليم قد شرعت في رقمنة رخص الثقة الخاصة بسائقي سيارات الأجرة بهدف تحديث القطاع وتعزيز التنظيم والرقابة، فإن التحدي الحقيقي يبقى في انعكاس هذه الإجراءات على الخدمة التي يتلقاها المواطن.
فالرقمنة وسيلة وليست غاية، والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل أصبح النقل أكثر انتظاماً؟ هل تحسنت جودة الخدمة؟ هل تراجعت الشكايات؟ وهل يشعر المواطن بأن تحديث الإدارة انعكس فعلاً على حياته اليومية؟
أما الشباب، فمشكلته لا تختزل في تنظيم نشاط أو إطلاق مشروع ظرفي، الرهان الحقيقي هو خلق بيئة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص شغل مستدامة، وتشجيع الاستثمار المحلي، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
فالمدينة التي لا توفر للشباب فرصاً حقيقية قد تجد نفسها أمام نزيف مستمر للكفاءات والطاقات، مهما ارتفع عدد المشاريع التي تحمل عناوين براقة.
وهنا أيضاً لا يمكن اختزال المسؤولية في عامل الإقليم، لأن التشغيل والاستثمار من الملفات المتداخلة التي تتقاطع فيها اختصاصات الدولة والجماعات الترابية والقطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين.
المساءلة الجادة تقتضي وضع الأمور في نصابها، فعامل الإقليم ليس رئيساً لكل الإدارات والمصالح، ولا يملك صلاحية تدبير كل قطاع بشكل مباشر. لكن موقعه المؤسساتي يجعله فاعلاً أساسياً في التنسيق الترابي، وتتبع عدد من الأوراش، والدفع نحو التقائية السياسات العمومية، ورصد الإشكالات التي تعيق التنمية والخدمات، والتواصل مع مختلف المتدخلين.
ومن هنا، فإن السؤال المشروع ليس: هل العامل مسؤول عن كل اختلال في العرائش؟ بل السؤال الأكثر دقة هو: ما الذي يدخل في نطاق مسؤوليته واختصاصاته؟ وما الذي تم إنجازه في هذا المجال؟ وما الملفات التي جرى رفعها إلى القطاعات المختصة؟ وما مآل الاجتماعات واللجان والبرامج التي تم الإعلان عنها؟ هذه هي المساءلة التي تستحقها العرائش.
لقد تجاوز المواطن مرحلة الاكتفاء بسماع عبارات من قبيل «المواكبة» و«التنسيق» و«التتبع» و«التأهيل»، المواطن يريد النتيجة، يريد مستشفى يشتغل بكفاءة، وإدارة تحترم وقته، ونقلاً منظماً، ونظافة منتظمة، وأرصفة وفضاءات عمومية لائقة، وفرصاً اقتصادية حقيقية لأبنائه.
والدستور نفسه واضح في هذا الباب، إذ ينص على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، كما يربط تدبيرها بتلقي ملاحظات المرتفقين وتتبعها والمراقبة والتقييم.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم في العرائش لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك مشاريع أم لا، وإنما بما إذا كانت هذه المشاريع والخدمات تنتج أثراً ملموساً في حياة السكان، فالعرائش لا تحتاج إلى إدارة تُكثر من الوعود، ولا إلى مسؤولين يكتفون بتدشين الأوراش والتقاط الصور، إنها تحتاج إلى حكامة تقاس بالنتائج، ومرافق تقاس بجودة خدماتها، ومسؤولية تُربط بالمحاسبة والتقييم.
وعندما يفشل مرفق، يجب أن نعرف من المسؤول عنه، وعندما يتعطل مشروع، يجب أن نعرف أين توقفت السلسلة، وعندما تتكرر الشكايات، يجب أن نعرف لماذا لم تُعالج، تلك ليست حملة ضد العامل، ولا دفاعاً عن العامل؛ إنها ببساطة مطالبة بأن يعرف المواطن من يفعل ماذا، ومن يملك القرار، ومن يتحمل مسؤولية التأخر عندما تتعطل مصالح الناس.
فالعرائش لا ينقصها الكلام عن التنمية؛ ما ينقصها هو أن تتحول التنمية من عنوان في التقارير إلى خدمة يلمسها المواطن كل صباح.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد