هبة زووم – علال الصحراوي
في الوقت الذي يُطلب فيه من موظفي المصالح الخارجية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أن يواصلوا أداء مهامهم في ظروف مهنية لا ترقى إلى الحد الأدنى من متطلبات العمل الإداري، يبدو أن الإدارة المركزية اختارت ترتيب أولوياتها بطريقة تفتح الباب واسعاً أمام التساؤل: هل الأولوية اليوم لتحسين ظروف العمل أم لتجديد أسطول السيارات؟
فالمعطيات المرتبطة بطلب العروض رقم 03/2026 تكشف عن تخصيص غلاف مالي يناهز 143 مليون سنتيم لاقتناء أربع سيارات، وهو رقم كافٍ وحده لإثارة نقاش جدي حول جدوى هذا الإنفاق، خصوصاً في مؤسسة يفترض أن تكون أولوياتها مرتبطة بخدمة المرتفقين، وتحسين ظروف اشتغال موظفيها، وصيانة مرافقها وتجهيز مصالحها الخارجية.
الأكثر إثارة للانتباه هو توزيع هذا الغلاف المالي؛ إذ خصص مبلغ يقارب 65 مليون سنتيم لسيارة واحدة، مقابل 32 مليوناً للثانية، و19 مليوناً للثالثة، و26 مليون سنتيم لسيارة دفع رباعي.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اقتناء وسائل نقل إدارية، بل بالسؤال الجوهري الذي يفترض أن يسبق أي صفقة عمومية: ما الحاجة الفعلية لهذه السيارات؟ وما طبيعة المهام التي تبرر تخصيص مثل هذه المبالغ؟ وهل تم بحث البدائل الأقل كلفة؟
ففي الوقت الذي تكافح فيه مصالح خارجية لتأمين أبسط مستلزمات العمل، من الورق والطباعة إلى الربط بالإنترنت، وفي الوقت الذي تعاني فيه بعض المكاتب من تقادم التجهيزات وظروف اشتغال تحتاج إلى إعادة تأهيل، يصبح اقتناء سيارة بعشرات الملايين موضوعاً مشروعاً للمساءلة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمال العمومي.
65 مليوناً لسيارة واحدة.. هل هذه هي الأولويات؟
لا أحد يعترض، من حيث المبدأ، على حق الإدارة في توفير وسائل نقل ملائمة لأطرها ومصالحها عندما تقتضي الضرورة ذلك. لكن المال العام لا يُدبَّر بمنطق “طالما أن الاعتماد موجود فلننفقه”، وإنما بمنطق الحاجة والنجاعة والاقتصاد وربط النفقة بالمردودية.
فإذا كانت سيارة واحدة ستكلف حوالي 65 مليون سنتيم، فمن حق الرأي العام أن يعرف: لماذا هذا المستوى من التجهيز؟ ومن سيستعملها؟ وما طبيعة المهام التي ستؤديها؟ وهل توجد دراسة أو مبررات تقنية وإدارية تفسر هذا الاختيار؟ والسؤال الأهم: هل كانت الإدارة عاجزة عن إيجاد أولويات أكثر إلحاحاً من اقتناء سيارات بهذه الكلفة؟
لأن الموظف الذي يعمل في مكتب متهالك، أو يواجه صعوبات في الولوج إلى الإنترنت، أو يجد نفسه مضطراً إلى تدبير حاجيات مصلحته بإمكانات محدودة، قد يجد صعوبة في فهم المنطق الذي يجعل سيارة واحدة تستحوذ على ما يعادل عشرات التجهيزات المهنية الضرورية.
بين المركز والمصالح الخارجية.. مفارقة تحتاج إلى تفسير
المفارقة لا تكمن فقط في قيمة الصفقة، وإنما في الفجوة بين واقع الإدارة المركزية وواقع المصالح الخارجية.
فإذا كانت الإدارة قادرة على رصد 143 مليون سنتيم لاقتناء أربع سيارات، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لا تُرصد الإمكانيات نفسها لتحسين بيئة العمل، وتجهيز المكاتب، وتوفير الوسائل اللوجستيكية والرقمية، وتحسين ظروف استقبال المواطنين؟
وهل يعقل أن يُطلب من الشغيلة في الميدان التحلي بالصبر والتدبير والتقشف، بينما تظهر في المركز قدرة مالية على اقتناء سيارات بمبالغ ضخمة؟
هذه ليست دعوة إلى حرمان الإدارة من وسائل العمل، وإنما دعوة إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات، فالسيارة الإدارية وسيلة، وليست غاية. أما الموظف الذي يشكل الواجهة اليومية للمؤسسة، فهو الاستثمار الحقيقي الذي يفترض أن يحظى بالأولوية.
فتح الأظرفة في 28 شتنبر.. والكرة في ملعب الإدارة
ومع اقتراب موعد فتح الأظرفة، المقرر يوم 28 شتنبر 2026 بمقر المندوبية بالرباط، تبرز الحاجة إلى تقديم أجوبة واضحة للرأي العام حول هذه الصفقة، بعيداً عن لغة التبرير الإداري الجاهز.
فالمطلوب ليس التشكيك في الصفقة أو إطلاق أحكام مسبقة، وإنما تفسير ضرورتها، وكلفتها، ومعايير تحديد مواصفات السيارات، ومدى تناسبها مع حاجيات المرفق العام.
كما أن من حق الموظفين والمرتفقين معرفة ما إذا كانت الإدارة قد أنجزت فعلاً ترتيباً للأولويات قبل الوصول إلى قرار اقتناء سيارات بهذا الحجم المالي.
وفي زمن أصبح فيه الحديث عن ترشيد النفقات العمومية والنجاعة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة جزءاً من الخطاب الرسمي، فإن مثل هذه الصفقات لا ينبغي أن تمر بمنطق الصمت الإداري.
فالمطلوب من الإدارة العمومية ليس أن تبدو فاخرة، وإنما أن تكون فعالة. وليس المهم أن تتوفر على سيارات باهظة، بل أن تتوفر مصالحها وموظفوها ومواطنوها على شروط عمل وخدمة تحفظ الكرامة.
وإذا كانت سيارة بـ65 مليون سنتيم أولوية حقيقية، فلتخرج الإدارة وتشرح للرأي العام لماذا. أما إذا كانت الأولوية هي تحسين ظروف العمل، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا لا يبدأ الإصلاح من المكاتب التي يعمل فيها الموظفون، بدل مواقف السيارات التي تقف فيها السيارات؟
تعليقات الزوار