كلميم.. حين تتحول أسئلة المال العام وتداخل المصالح إلى امتحان للحكامة في عهد الوالي أبهاي
هبة زووم – كلميم
في كلميم، لا تبدو أسئلة الحكامة وتدبير المال العام مجرد نقاشات عابرة، بل أصبحت، مع اتساع حجم المشاريع والصفقات والاستثمارات العمومية، أسئلة مشروعة تفرض نفسها بقوة على الفاعلين والمؤسسات والسلطات المعنية.
فالحديث عن الفساد المالي وتداخل المصالح، متى ما أثير في المجال السياسي والاقتصادي، لا ينبغي أن يتحول إلى أحكام جاهزة أو اتهامات مجانية، لكنه في المقابل لا يمكن أن يُقابل بالصمت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وبمصالح المواطنين وبالامتيازات التي قد تنتج عن قرب بعض الفاعلين من مراكز القرار.
وفي عهد الوالي محمد ناجم أبهاي، تطرح التحولات التي تعرفها جهة كلميم واد نون سؤالاً أساسياً: هل تكفي الآليات القانونية والإدارية الموجودة لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، أم أن الأمر يحتاج إلى رقابة أكثر صرامة على مسارات القرار والصفقات والاستثمارات؟
السؤال هنا ليس موجهاً إلى شخص بعينه بقدر ما يتعلق بمنظومة تدبير كاملة، تبدأ من طريقة إعداد المشاريع والبرامج، مروراً بآليات طلبات العروض وإسناد الصفقات، ووصولاً إلى تتبع تنفيذها وقياس أثرها الحقيقي على السكان.
وتزداد أهمية هذا النقاش أمام حجم العمليات العمومية التي تعرفها المنطقة؛ إذ تظهر معطيات منشورة خلال 2026 وجود عشرات طلبات العروض والمشاريع بمبالغ مهمة، مع حضور ولاية الجهة وعمالة إقليم كلميم ضمن الجهات صاحبة عدد من هذه العمليات.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من يراقب تضارب المصالح؟ ومن يتتبع استفادة الشركات والمقاولات من المال العمومي؟ وهل توجد آليات فعالة للتأكد من أن القرب السياسي أو الإداري لا يتحول إلى امتياز اقتصادي؟
لا يتعلق الأمر بالتشكيك في كل صفقة أو كل مشروع، وإنما بالمطالبة بأن تكون قواعد المنافسة والشفافية قابلة للتدقيق، وأن تكون المعلومة متاحة، وأن يخضع تدبير المال العام لمنطق المؤسسات لا لمنطق العلاقات والنفوذ.
وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة العبارة التي ظلت حاضرة في النقاش السياسي المغربي: “من أين لك هذا؟
فالمقصود ليس تحويل هذه العبارة إلى شعار شعبوي، وإنما جعلها مدخلاً لمساءلة مشروعة حول مصادر الثروات وتطورها، ومدى انسجامها مع المداخيل والأنشطة المصرح بها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يشغلون مواقع مؤثرة أو يرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بمجالات تستفيد من الإنفاق العمومي.
كما أن منظومة التصريح بالممتلكات ليست فكرة نظرية؛ فالمحاكم المالية تتلقى تصريحات بالممتلكات لفئات من المنتخبين والموظفين والمسؤولين، وقد بلغ مجموع التصريحات المتلقاة منذ دخول المنظومة حيز التنفيذ سنة 2010 إلى غاية 31 أكتوبر 2025 أكثر من 556 ألف تصريح، وفق معطيات منشورة في الجريدة الرسمية.
لكن التصريح بالممتلكات وحده لا يحسم كل أسئلة الحكامة. فالمطلوب أيضاً هو تتبع تضارب المصالح، ومراقبة الصفقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين أجهزة الرقابة من القيام بأدوارها كاملة، دون انتقائية أو استثناءات.
وفي كلميم، كما في باقي جهات المملكة، يبقى المال العام ملكاً للمجتمع، وليس مجالاً للمجاملة السياسية أو الاقتصادية.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي ليس: من يملك النفوذ؟ بل: كيف يُمارس هذا النفوذ؟ ومن يراقبه؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تظهر مؤشرات تستدعي التدقيق؟
إن كانت هناك معطيات أو شبهات جدية بشأن تضارب مصالح أو استفادة غير مشروعة من المال العام، فالمسار الطبيعي ليس إطلاق الأحكام، وإنما الافتحاص والتحقيق وترتيب المسؤوليات إذا ثبتت المخالفات.
أما أن تبقى الأسئلة معلقة، والثروات المتزايدة محاطة بالصمت، والصفقات العمومية بعيدة عن نقاش عمومي جدي، فذلك كفيل بتغذية الشكوك وإضعاف الثقة في المؤسسات.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد المشاريع التي تطلقها، وإنما أيضاً بقدرتها على ضمان أن تصل ثمار تلك المشاريع إلى المواطنين، وأن يظل المال العام محكوماً بالقانون، وأن تكون المساواة أمام الفرص والمساءلة قاعدة لا استثناء.
فهل تفتح الجهات الرقابية والمؤسسات المعنية، عند توفر المعطيات الكافية، ملفات تداخل المصالح وتدبير المال العام بكلميم؟ أم ستظل عبارة «من أين لك هذا؟» مجرد شعار جميل في الخطاب السياسي، بعيداً عن الاختبار الحقيقي على أرض الواقع؟