هبة زووم – القنيطرة
قبل ساعات قليلة من إسدال الستار على الحملة الانتخابية، اختار فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يرفع سقف الخطاب الاجتماعي من القنيطرة، واضعاً القدرة الشرائية ومحاربة غلاء الأسعار في قلب الوعود الانتخابية لحزبه.
لقجع تحدث بلغة حاسمة عن إعادة التوازن للأسعار، وتأمين القدرة الشرائية للمغاربة، ووضع حد لما وصفه باستفادة الوسطاء على حساب جيوب المواطنين، مقترحاً إحداث شركات جهوية تتولى نقل وتوزيع المواد الاستهلاكية من المنتج إلى المستهلك.
الخطاب يبدو جذاباً بالنسبة لمواطن أنهكته الأسعار، لكن المشكلة تبدأ تحديداً من اللحظة التي تنتقل فيها الوعود من منصة المهرجان الخطابي إلى حسابات الواقع الاقتصادي والمالي.
فإذا كان الوسطاء، بحسب تصور «البام»، يستحوذون على جزء كبير من السعر النهائي للمنتجات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم يكن تفكيك هذه البنية أولوية عملية منذ سنوات، وما الذي سيجعل الشركات الجهوية المقترحة قادرة فعلاً على تغيير قواعد سوق معقدة؟
البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب يقترح إحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، إلى جانب عصرنة أسواق الجملة، وبناء وحدات للتبريد، وإعادة تنظيم صادرات المنتجات الفلاحية، وآليات لمحاربة ما يسميه الحزب «الوساطة الطفيلية».
لكن إنشاء الشركات ليس هو المشكلة الأصعب، المعضلة الحقيقية هي: من سيديرها؟ ومن سيراقبها؟ وكم ستكلف الدولة؟ وكيف سيتم ضمان ألا تتحول هي الأخرى إلى مؤسسات عمومية جديدة تستهلك الميزانية دون أن تنجح في خفض الأسعار؟ فالمغاربة لا يحتاجون إلى تغيير اسم الوسيط، وإنما إلى تغيير المعادلة التي تجعل المنتج يبيع بثمن والمستهلك يشتري بأضعافه.
وإذا كان «البام» يربط جزءاً مهماً من غلاء الأسعار بمسالك التوزيع، فإن نجاح المقترح يفترض، قبل كل شيء، وجود حكامة صارمة، وشفافية في التعاقد، ومراقبة حقيقية لهوامش الربح، ونشر المعطيات المتعلقة بتدبير هذه الشركات ونتائجها.
أما أن يتم تأسيس شركات جهوية ثم تُترك تحت رحمة التعيينات والعلاقات والتدبير الإداري البيروقراطي، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام وسيط عمومي بدل وسيط خاص، بينما تظل الأسعار في مكانها.
ولم يكتف لقجع بذلك، بل ذكّر أيضاً بمقترح الحزب المتعلق بإعفاء الأسر التي لا تتجاوز فاتورتها الكهربائية 100 درهم شهرياً. وهو التزام وارد فعلاً ضمن البرنامج الانتخابي الرسمي للحزب، إلى جانب آلية تضامنية لتمويل جزء من كلفة هذا الإجراء، وهنا أيضاً يبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: كم ستكلف هذه الوعود؟ ومن سيدفع الفاتورة؟
فالبرنامج الانتخابي لـ«البام» يقدر كلفته الإجمالية بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، منها 150 مليار درهم مخصصة لميثاق القدرة الشرائية وفق الوثيقة الرسمية للحزب.
وهو رقم ضخم بما يكفي ليفرض نقاشاً جدياً، لا مهرجانياً، حول مصادر التمويل، والفرضيات الاقتصادية التي بنيت عليها الالتزامات، وآليات تنفيذها، وما إذا كانت الموارد العمومية قادرة فعلاً على تحملها دون خلق أعباء إضافية.
المواطن، في النهاية، لا يعيش داخل البرامج الانتخابية، بل داخل السوق، لا يهمه كثيراً عدد الصفحات التي يتضمنها البرنامج، بقدر ما يهمه ثمن الزيت والدقيق والخضر واللحوم والكهرباء والنقل، وما يتبقى من راتبه بعد نهاية الشهر.
ولهذا فإن رفع شعار “الحرب على الوسطاء”، كما نقلت مصادر إعلامية عن خطاب لقجع، قد يكون مدخلاً لنقاش اقتصادي مهم، لكنه لا يعفي أصحابه من الإجابة عن سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه: كيف ستنجح هذه الحرب، ومتى سيظهر أثرها في جيب المواطن؟
ثم إن الوعود الانتخابية لا تنتهي بانتهاء الحملة، إذا وصل الحزب إلى موقع المسؤولية، فإن كل رقم وكل التزام وكل وعد سيصبح قابلاً للمساءلة والتقييم.
فالمواطن الذي يسمع اليوم عن شركات جهوية لمحاصرة الوسطاء، وفواتير كهرباء مجانية في حدود معينة، وإجراءات جديدة لدعم القدرة الشرائية، سيكون من حقه غداً أن يسأل: ماذا تحقق؟ كم كلف؟ ومن استفاد؟ وهل انخفضت الأسعار فعلاً؟
وهنا بالضبط سيكون الفرق بين خطاب انتخابي يعرف كيف يخاطب غضب المواطن، وبرنامج حكومي قادر على تغيير واقع الأسعار، لأن القدرة الشرائية لا تُستعاد بالخطب، والوسطاء لا يختفون بالتصريحات، والأسواق لا تنضبط بالشعارات.
المواطن يريد نتيجة ملموسة، والانتخابات لا تمنح صكاً على بياض، والاختبار الحقيقي لوعود «البام» لن يكون في حجم التصفيق داخل مهرجان القنيطرة، وإنما في اليوم الذي يستطيع فيه المواطن أن يدخل السوق دون أن يشعر بأن راتبه يتبخر قبل أن تكتمل قائمة مشترياته.
تعليقات الزوار