هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح النقاش حول واقع العمل النقابي بالمغرب، موجهاً انتقادات حادة إلى أداء المركزيات النقابية التقليدية، ومعتبراً أنها فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأطير والتعبئة والضغط، في وقت برزت فيه التنسيقيات المهنية باعتبارها شكلاً احتجاجياً أكثر ارتباطاً بالمطالب المباشرة للفئات العاملة.
وفي تدوينة جديدة، قدم اليحياوي قراءة نقدية للتحولات التي يعرفها المشهد النقابي، معتبراً أن النقابات التي راكمت تاريخاً من النضال والتفاوض لم تعد، في تقديره، تحتفظ بالوزن نفسه الذي كان يخول لها التأثير في قرارات الحكومات ومواجهة ما وصفه بتغول رأس المال، كما انتقد ما اعتبره تراجعاً في حضور القيادات النقابية الكبرى، وانحصار أدوارها في محطات الحوار الاجتماعي واللقاءات الرسمية.
ويرى الباحث أن هذا التراجع فتح المجال أمام صعود التنسيقيات، خصوصاً في قطاعات التعليم والصحة والمالية وغيرها، حيث أصبحت هذه الإطارات تتولى قيادة أشكال احتجاجية مرتبطة بمطالب مهنية محددة، بعيداً عن البنيات التنظيمية التقليدية للمركزيات النقابية. واعتبر أن التنسيقيات باتت، عملياً، وسيطاً جديداً بين الموظفين والحكومة، بحكم سرعة تحركها وقربها من الملفات التي تهم الفئات التي تمثلها.
ومن أبرز ما يثيره اليحياوي في تدوينته تحوّل طبيعة الفعل الاحتجاجي، من الإضراب باعتباره أداة مركزية في العمل النقابي، إلى الوقفات والمسيرات والاحتجاجات أمام المؤسسات الرسمية، كما ينتقد انتقال المطالب، في نظره، من القضايا الاجتماعية العامة إلى ملفات فئوية، مثل الزيادة في الأجور والترقية وتسوية الوضعيات الإدارية وتغيير الإطار، معتبراً أن هذا التحول يعكس تراجعاً في حضور المطالب الجماعية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية للشغيلة.
ويوجه اليحياوي انتقاداً مباشراً إلى القيادات النقابية التاريخية، مستحضراً المركزيات الكبرى، وفي مقدمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل، ومتسائلاً عن مدى استمرار قدرتها على تمثيل الشغيلة والتفاوض باسمها، كما ربط بين تراجع تأثيرها وبين ما يصفه بانحصار حضورها في جولات الحوار الاجتماعي، التي يرى أنها لم تعد تنتج الزخم النضالي نفسه الذي ميز مراحل سابقة.
وتكتسب هذه الملاحظات أهميتها في سياق التحولات التي يعرفها التمثيل النقابي، حيث لم تعد المركزيات التقليدية تحتكر تأطير الاحتجاجات المهنية، بعدما برزت أشكال تنظيمية أخرى تستمد قوتها من ارتباطها المباشر بملفات محددة، ومن قدرتها على تعبئة فئات واسعة في آجال قصيرة، غير أن هذا التحول يطرح بدوره أسئلة حول استمرارية هذه التنسيقيات، وآليات اتخاذ القرار داخلها، ومدى قدرتها على الانتقال من الاحتجاج الظرفي إلى التفاوض المنظم وإنتاج حلول طويلة الأمد.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال العمل النقابي في عدد الوقفات أو الإضرابات، كما لا يمكن قياس فعاليته فقط بمدى قدرته على تعطيل المرافق أو الضغط على الحكومة، فوظيفته تشمل أيضاً الدفاع عن الحقوق الجماعية، وتأطير المطالب، والتفاوض حول السياسات الاجتماعية، وضمان استمرارية التمثيل والمساءلة أمام المنخرطين.
وبين انتقادات اليحياوي للمركزيات النقابية وصعود التنسيقيات، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل الوساطة الاجتماعية بالمغرب: هل يتعلق الأمر بأزمة عابرة في أداء النقابات، أم بتحول أعمق في أشكال التنظيم والاحتجاج والتمثيل؟ وهل تستطيع المركزيات استعادة ثقة الشغيلة وتجديد أدواتها، أم أن التنسيقيات ستواصل ملء الفراغ في القطاعات التي لم تعد تجد في الهياكل التقليدية الإطار الأقرب للتعبير عن مطالبها؟
إن النقاش الذي تثيره هذه التدوينة يتجاوز تقييم أداء تنظيمات بعينها، ليصل إلى مستقبل التمثيل الجماعي للشغيلة، في ظل الحاجة إلى قوة اجتماعية منظمة قادرة على الدفاع عن الحقوق المهنية، وربط المطالب الفئوية بالقضايا الاجتماعية الكبرى، وممارسة رقابة فعلية على السياسات الحكومية.
تعليقات الزوار