من يراقب الإدارة بأكادير؟ مكاتب شاغرة وشكايات عن التعطيل تضع الوالي أمزازي أمام المسؤولية

هبة زووم – علال الصحراوي
ليست المشكلة في أكادير مجرد مكتب أغلق أبوابه أو موظف غاب عن مكتبه، ولا في مرتفق اضطر إلى العودة في اليوم الموالي لقضاء وثيقة إدارية. عندما تتكرر الشكايات حول الغياب، وتعطل الخدمات، وتضارب المساطر، يصبح الأمر متعلقاً بصورة الإدارة نفسها وبمدى قدرتها على الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه المواطن.
المعطيات والشكايات المتداولة محلياً تضع عدداً من المصالح الإدارية والملحقات التابعة للجماعة ومصالح السلطة الترابية بأكادير أمام أسئلة جدية حول الانضباط الإداري، استمرارية المرفق العمومي، وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: أين الموظف؟ بل أيضاً: أين المراقبة؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار أي اختلال إذا ثبت وجوده؟
مكاتب شاغرة.. والمرتفق يدفع ثمن الفوضى
من بين أكثر ما يثير غضب المواطنين، بحسب الشكايات المتداولة، الحديث عن مكاتب يجدها المرتفقون شاغرة في أوقات يفترض أن تكون فيها مفتوحة، خصوصاً المصالح المرتبطة بالشواهد الإدارية وتصحيح الإمضاءات وغيرها من الخدمات اليومية.
المواطن الذي يأتي لقضاء غرض إداري لا يفترض أن يكون معنياً بتفاصيل غياب الموظف أو تنقله أو اجتماعاته. ما يعنيه ببساطة هو أن يجد المرفق مفتوحاً، والموظف في مكانه، والمساطر واضحة، والخدمة تقدم داخل الآجال القانونية.
أما أن يتحول المرتفق إلى باحث عن موظف، يتنقل من مكتب إلى آخر، أو يعود في اليوم التالي، فذلك، إن ثبت، لا يمكن تبريره باعتباره مجرد “سوء تفاهم إداري”.
والأخطر أن الحديث لا يقف عند حدود الغياب، بل يمتد إلى شكايات بشأن نقص بعض وسائل العمل، من بينها سجلات مرتبطة بتصحيح الإمضاءات، وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً حول مسؤولية الجهة المكلفة بتوفير شروط العمل الضرورية لاستمرارية الخدمة.
القانون 55.19.. هل وصل فعلاً إلى شبابيك أكادير؟
المفارقة الأكثر إثارة أن المغرب قطع أشواطاً تشريعية وإدارية في اتجاه تبسيط المساطر، بينما لا يزال المواطن، وفق الشكايات المعروضة، يصطدم أحياناً بمطالب ووثائق يعتبرها ملغاة أو غير ضرورية.
القانون رقم 55.19 جاء أصلاً لتخفيف العبء عن المرتفقين وتبسيط الإجراءات الإدارية، كما أن وزارة الداخلية اتخذت إجراءات لإلغاء عدد من الشهادات التي كانت تطلب من المواطنين دون سند قانوني. كما أن سؤالاً برلمانياً موجهاً إلى وزارة الداخلية حول سوء تطبيق القانون نفسه استحضر، من بين مقتضياته، الحد من مطالبة المواطنين بنسخ مطابقة للأصل إلا في حالات محددة.
لذلك، فإن أي شكاية موثقة بشأن مطالبة المواطن بوثائق غير منصوص عليها لا ينبغي أن تنتهي عند شباك الإدارة، بل تستحق الفحص وتحديد المسؤوليات.
فالقانون لا يمكن أن يكون مجرد نص جميل في الجريدة الرسمية، بينما يظل المواطن أمام شباك الإدارة أسيراً لعادات ومساطر قديمة.
الملحقة الإدارية الثامنة.. لماذا تحولت الخدمة إلى سؤال؟
ومن الملفات التي تحتاج إلى توضيح رسمي ما يتم تداوله بشأن وضعية الملحقة الإدارية الثامنة، خصوصاً ما يتعلق بتعطل بعض خدمات التوثيق بعد تعيين القائدة ليلى رمزي.
المعطيات المتاحة تؤكد أن ليلى رمزي عينت رئيسة للملحقة الإدارية الثامنة ضمن الحركة السابقة لرجال السلطة، كما أن مصادر صحفية نشرت خلال 2026 أخباراً عن إشرافها على عمليات ميدانية لتحرير الملك العمومي، لكن ذلك لا يحسم، في المقابل، صحة ما يثار بشأن تعطل خدمات إدارية داخل الملحقة.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون الجواب رسمياً وواضحاً: هل تعطلت خدمات معينة فعلاً؟ ما سبب ذلك؟ هل يتعلق الأمر بنقص في الموارد البشرية أو التجهيزات أو بإشكال تنظيمي؟ ومن اتخذ القرار؟ وكم استمر التعطيل؟ هذه ليست أسئلة للتشهير بأي مسؤول، وإنما أسئلة مرتبطة بحق المواطن في معرفة سبب تعطل مرفق عمومي.
“الموظفون الأشباح”.. اتهام خطير يحتاج إلى افتحاص لا إلى شعارات
أما الحديث عن وجود “موظفين أشباح” أو استفحال المحسوبية والزبونية داخل الجماعة، فهو من أخطر الاتهامات التي لا يجوز التعامل معها كحقائق نهائية دون وثائق أو افتحاص رسمي، لكن في المقابل، فإن خطورة الاتهام تفرض شيئاً واحداً: التحقق.
فإذا كانت هناك مكاتب لا تعمل، وموظفون يتغيبون بشكل متكرر، ومصالح تعرف اختلالات مستمرة، فإن الحل ليس في نفي الشكايات، بل في فتح افتحاص إداري واضح يكشف الحضور الفعلي، ومردودية الموظفين، والمسؤوليات، وشروط العمل.
والتشريعات المنظمة للجماعات نفسها تجعل من تحسين مردودية الموارد البشرية وتقوية آليات المراقبة والتقييم جزءاً من منظومة الحكامة، كما أن وزارة الداخلية وضعت آليات لمواكبة الجماعات في مجال المراقبة الداخلية والافتحاص وتحسين مردودية الموارد البشرية.
مكاتب فاخرة.. واجتماعات لا تنتهي؟
الوجه الآخر للصورة، وفق ما يرد في الشكايات، يرتبط بمقر الولاية وبعض المصالح الإدارية، حيث يتحدث مواطنون وفاعلون محليون عن تأخر بعض المسؤولين في الالتحاق بمكاتبهم، وعن صعوبة الوصول إلى بعض المسؤولين بسبب الاجتماعات والتنقلات الميدانية.
هذه الادعاءات، بدورها، تحتاج إلى التدقيق، لأن الاجتماع أو المهمة الميدانية لا يمكن اعتبارهما غياباً غير مشروع بمجرد أن المكتب كان مغلقاً.
لكن إذا كانت ظاهرة مغادرة المكاتب أو عدم استقبال المرتفقين تتكرر بشكل منتظم، فإن الأمر يصبح بحاجة إلى آليات واضحة لضمان استمرارية الخدمة: سجلات حضور، مداومة، استقبال المواطنين، وتحديد المسؤول المناوب، أما أن يصبح “الاجتماع” جواباً جاهزاً لكل مواطن يبحث عن مسؤول، فهنا تبدأ مشكلة الثقة في الإدارة.
أمزازي.. المسؤولية تبدأ من المراقبة
والي جهة سوس ماسة وعامل عمالة أكادير إداوتنان، سعيد أمزازي، أشرف في شتنبر 2026 على مراسم تنصيب أطر ورجال سلطة جدد بأكادير، بحضور عدد من المسؤولين ورؤساء المصالح والجماعات الترابية.
وهذا الحضور المؤسساتي يضع الوالي أمام مسؤولية واضحة في جانب اختصاصاته: ضمان التنسيق، تتبع أداء السلطة الترابية، والاستماع إلى شكايات المواطنين، والتأكد من أن المرافق التي تدخل ضمن نطاق الإدارة الترابية تؤدي وظائفها وفق القانون.
لكن يجب التمييز قانوناً بين مصالح السلطة الترابية وبين مصالح الجماعة المنتخبة؛ فالجماعة تضطلع أصلاً بمهام خدمات القرب وتنظيمها وتنسيقها وتتبعها داخل اختصاصاتها.
لذلك، فإن تحميل أمزازي “المسؤولية الكاملة” عن كل موظف جماعي أو كل خلل داخل الجماعة سيكون تبسيطاً غير دقيق للمسؤوليات القانونية.
أما المسؤولية عن عدم التحرك إذا ثبت أن اختلالات تدخل في نطاق سلطته أو تتكرر أمام أعين الإدارة الترابية دون معالجة أو تفسير**، فهي مسألة مشروعة تماماً وتستحق المساءلة.
المواطن لا يريد خطباً.. يريد إدارة تعمل
في النهاية، المواطن الأكاديري لا يطلب امتيازاً ولا معاملة خاصة، هو يريد فقط أن يجد الموظف في مكتبه، وأن يحصل على المعلومة الصحيحة، وأن يعرف الوثائق المطلوبة قانوناً، وأن تقدم له الخدمة داخل أجل معقول، وأن يجد مسؤولاً يستمع إليه عندما تواجهه مشكلة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس بيانات تلميع الصورة، ولا اجتماعات شكلية، ولا حملات ظرفية، بل افتحاص حقيقي ومعلن لواقع الخدمات الإدارية بأكادير، يبدأ من الجماعة والملحقات الإدارية ويمتد إلى المصالح الترابية، مع نشر خلاصات واضحة حول مكامن الخلل والإجراءات المتخذة لمعالجتها.
وبالنسبة إلى الوالي أمزازي، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كان مسؤولاً شخصياً عن كل اختلال، وإنما: هل ستتحول الشكايات المتكررة إلى افتحاص ومحاسبة وتصحيح، أم ستبقى الإدارة تشتغل بمنطق “كل شيء على ما يرام” بينما المواطن وحده يدفع ثمن التعطيل؟
فالسلطة الترابية تُقاس في النهاية بقدرتها على ضمان احترام القانون وجودة المرفق العمومي، لا بعدد الاجتماعات ولا بعدد المسؤولين الذين يمرون من أبواب الإدارة، اختلالات فعلية، فإن المسؤولية يجب أن تصل إلى من يملك القرار الفعلي عنها، أياً كان موقعه، دون حماية ولا استثناء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد