هبة زووم – الرباط
كلما ارتفعت وتيرة الحديث عن التحول الاستراتيجي داخل المجمع الشريف للفوسفاط، وتكاثرت الشعارات حول الابتكار والتنويع وصناعة القيمة، عاد سؤال أكثر بساطة وإلحاحاً إلى الواجهة: أين تذهب أموال الفوسفاط، وكيف يمكن للرأي العام أن يتتبع مساراتها داخل شبكة متزايدة من الشركات والكيانات التابعة؟
السؤال ليس موجهاً ضد مبدأ إعادة الهيكلة في حد ذاته، ولا ضد إنشاء شركات متخصصة قادرة على تطوير منتجات جديدة، بل يتعلق أساساً بحدود الشفافية عندما تنتقل أنشطة وأصول وتمويلات من الهيكل الأم إلى كيانات قانونية متعددة.
فالمجمع الشريف للفوسفاط أعلن رسمياً إنشاء “OCP Specialty Products & Solutions” كشركة تابعة تجمع أنشطة قائمة ضمن وحدة الأعمال الاستراتيجية المتخصصة، وقال إن الهدف هو تسريع النمو في مجالات الفوسفات المتخصص ومشتقاته، وتطوير منتجات ذات قيمة مضافة.
لكن التبرير الاستراتيجي لا يلغي سؤالاً آخر: كيف تُراقب الأموال عندما تتوزع الأنشطة بين شركات متعددة؟ ومن يملك القدرة على تتبع العقود والاستثمارات والأصول والتحويلات داخل هذه المنظومة؟
ومن بين المعطيات التي تستحق التوقف عندها، الرفع الذي يتحدث عنه النص في رأسمال شركة “OCP Specialty Products & Solutions” بمبلغ 268 مليون درهم، ليصل إلى 768 مليون درهم.
والسؤال الصحفي هنا ليس اتهام الشركة بسوء التدبير، فلا توجد في المعطيات المتاحة أدلة تسمح بهذا الاستنتاج، وإنما: ما طبيعة هذا التمويل؟ وما هي المشاريع أو الأصول أو الالتزامات التي يقابله؟ وما هي العوائد المنتظرة منه؟ وكيف ستظهر هذه العملية في الحسابات والتقارير المالية للمجموعة؟
وهو سؤال مشروع خصوصاً عندما يتعلق الأمر بكيان يحمل اسم المجمع ويعمل في صلب استراتيجية تثمين مورد طبيعي ذي أهمية اقتصادية للمغرب.
بل إن OCP نفسها تقدم SPS باعتبارها نشاطاً استراتيجياً قائماً منذ 2022، وتقول إن الوحدة حققت نمواً في صادرات منتجاتها المتخصصة، ما يعني أن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينتقل من سؤال «لماذا أنشئت الشركة؟» إلى سؤال أكثر دقة: كيف تُقاس نتائجها وكيف تُراقب أموالها؟
فإعادة تنظيم الأنشطة في شركات متخصصة يمكن أن تكون خياراً تدبيرياً عادياً في المجموعات الكبرى، خصوصاً عندما تكون لكل وحدة أعمال طبيعة تجارية أو تقنية مختلفة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول كثرة الكيانات القانونية إلى واقع يجعل الصورة المالية الإجمالية أكثر صعوبة بالنسبة للمتابع الخارجي.
هنا لا يتعلق الأمر بالقول إن الشركات التابعة تخفي الأموال، فهذا استنتاج لا تدعمه المعطيات المتاحة، وإنما بطرح سؤال الحكامة: هل يستطيع المواطن والبرلمان وأجهزة الرقابة والمتخصصون الوصول بسهولة إلى صورة واضحة عن الأموال والأصول والالتزامات والاستثمارات الموزعة بين مختلف الكيانات؟ فكلما اتسعت الخريطة القانونية، أصبحت الحاجة إلى التقارير الموحدة والإفصاح الواضح أكبر، لا أقل.
المسألة تكتسب حساسيتها من طبيعة النشاط نفسه، فالفوسفاط ليس قطاعاً اقتصادياً عادياً بالنسبة للمغرب، بل مورد طبيعي استراتيجي ترتبط به رهانات صناعية وتصديرية وتنموية كبرى. وOCP تقول صراحة إنها تتولى تثمين هذه الموارد وتحويلها إلى منتجات وأسمدة وحلول ذات قيمة مضافة.
ولهذا فإن أي توسع في شبكة الشركات أو إعادة توزيع الأنشطة أو ضخ استثمارات جديدة يفرض سؤالاً مشروعاً حول العائد الاقتصادي والاجتماعي، كم استثمرنا؟ في ماذا استثمرنا؟ ما الذي تغير في الإنتاج؟ ما حجم القيمة المضافة؟ ما العائد على الاستثمار؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتحقق الأهداف المعلنة؟ هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي جوهر الحكامة المالية الحديثة.
المجمع يعلن عن مشاريع ضخمة واستثمارات استراتيجية، من بينها خطة استثمار للفترة 2023–2027 تبلغ قيمتها المعلنة 13 مليار دولار، تشمل الطاقة والماء والأمونيا والهيدروجين منخفض الكربون وغيرها من المشاريع المرتبطة بتحول النموذج الصناعي للمجموعة.
كما أعلنت المجموعة أن نفقاتها الاستثمارية بلغت 10.143 مليار درهم خلال الربع الأول من 2026، في سياق تسريع أداء بعض الاستثمارات الاستراتيجية.
كل هذه الأرقام تكشف حجم الرهان، لكن كلما كبرت الاستثمارات، كبرت معها الحاجة إلى الإجابة عن سؤال بسيط: كيف يتحول كل هذا الإنفاق إلى قيمة قابلة للقياس؟
فالشعارات عن الابتكار والاستدامة والتحول الصناعي لا تكفي وحدها. ما يحتاجه الرأي العام هو الأرقام: الكلفة، الإنجاز، العائد، آجال التنفيذ، الالتزامات، ونسب تحقق الأهداف.
من السهل سياسياً وإعلامياً تحويل أي انتقاد للمجمع إلى هجوم على مؤسسة وطنية، كما أن من السهل في الاتجاه المقابل تحويل كل عملية إعادة هيكلة إلى شبهة مالية، والحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك.
فإنشاء الشركات التابعة ليس دليلاً في حد ذاته على وجود اختلال، ورفع رأسمال شركة ليس دليلاً على تبديد المال. لكن غياب التفسير المفصل أو صعوبة الوصول إلى المعطيات يمكن أن يخلق مساحة واسعة للتأويلات، وهو ما يفترض بالمؤسسة أن تعالجه بالمزيد من الإفصاح.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: “هل توجد مؤامرة مالية داخل OCP؟” بل: هل توجد شفافية كافية تسمح بإثبات عدم وجودها؟ وهنا يكمن جوهر الحكامة.
الحديث عن مصطفى التراب ينبغي ألا يتحول إلى معركة شخصية، المسألة أكبر من شخص المدير العام، لأنها تتعلق بنموذج تدبير مؤسسة استراتيجية وبكيفية مراقبة قراراتها الاستثمارية والمالية.
إذا كانت استراتيجية إعادة الهيكلة تهدف فعلاً إلى رفع الكفاءة وتعزيز القيمة المضافة، فإن الأرقام وحدها كفيلة بالدفاع عنها، وإذا كانت الشركات الجديدة تحقق نمواً وتستقطب أسواقاً وتخلق قيمة، فلتعرض نتائجها بشفافية، وإذا كانت الاستثمارات الكبرى تحقق مردودية اقتصادية وصناعية واجتماعية، فليتم تقديم المؤشرات للرأي العام والمتخصصين.
أما الاكتفاء بالخطاب التسويقي حول الابتكار والريادة العالمية، بينما تتكاثر الكيانات وتتسع الخريطة المالية، فلن يكون كافياً لإغلاق باب الأسئلة.
السؤال الذي نطرحه اليوم لا ينبغي أن يُفهم حرفياً باعتبار أن الأموال “تبخرت”؛ لكن السؤال الصحفي الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً هو: أين ذهبت الأموال، في ماذا استُثمرت، ما الأصول أو المشاريع التي قابلتها، وما العائد الذي حققته؟ هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تحول النقاش من الاتهام إلى المحاسبة، ومن الشعارات إلى الأرقام.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى المزيد من اللغة اللامعة حول مستقبل الفوسفاط بقدر ما يحتاجون إلى خريطة واضحة للمال الفوسفاطي: من أين يأتي، أين يُستثمر، عبر أي كيانات يمر، وما الذي يعود منه على الاقتصاد الوطني.
وعندما تكون الإجابات متاحة وموثقة وقابلة للتدقيق، تسقط تلقائياً مساحة كبيرة من الشكوك، أما عندما تظل الأرقام موزعة بين البلاغات والشركات والتقارير، فإن السؤال سيظل قائماً، مهما ارتفع منسوب التهليل الإعلامي: من يراقب المال الفوسفاطي، وكيف؟
تعليقات الزوار