هبة زووم – فاس
تحولت الدراجات النارية، ولا سيما السريعة منها والمعدلة، إلى مشهد شبه يومي داخل عدد من الفضاءات الحضرية بمدينة فاس، في ظاهرة باتت تثير انزعاجاً متزايداً في صفوف الساكنة والزوار، خصوصاً بالمناطق التي تعرف كثافة كبيرة في حركة الراجلين.
ولا يتعلق الأمر بوجود الدراجات النارية في حد ذاته، باعتبارها وسيلة نقل منتشرة داخل المدينة، وإنما بطبيعة استعمال بعضها، والسرعة التي تسير بها في أزقة وممرات ضيقة ومكتظة، بعضها صُمم أساساً لحركة الراجلين أو للاستعمال المحلي المحدود.
وتزداد حدة الإشكال عندما تجد الدراجات السريعة طريقها إلى ممرات يتقاطع فيها السكان والتجار والسياح، حيث يصبح مرورها وسط الراجلين مصدراً دائماً للتوتر، ويفرض على المارة الانتباه المتواصل لحركة الدراجات القادمة من الخلف أو من الاتجاه المعاكس.
ومن بين أبرز مظاهر هذه الظاهرة، يبرز التلوث السمعي الذي تخلفه بعض الدراجات، خاصة مع التسارع المفاجئ وارتفاع صوت المحركات والعوادم المعدلة، إذ يتردد هديرها بقوة داخل الأزقة الضيقة، بما يضاعف منسوب الضجيج في فضاءات تعرف أصلاً حركة بشرية وتجارية كثيفة.
ولا يقف الأمر عند حدود الإزعاج الصوتي، إذ تطرح كثافة حركة الدراجات بدورها أسئلة مرتبطة بجودة الهواء والانبعاثات، خصوصاً في ممرات ضيقة تشهد توافداً كبيراً للراجلين.
وتكتسب هذه الإشكالية حساسية خاصة داخل المدينة العتيقة لفاس ومحيطها، حيث تتداخل الوظائف السكنية والتجارية والسياحية والثقافية، ويُفترض أن تشكل تجربة المشي والتنقل الهادئ جزءاً من جاذبية المكان وخصوصيته.
وبالنسبة إلى الراجلين، فإن الإشكال لا يتوقف عند حدود الضجيج أو الإزعاج، بل يمتد إلى الإحساس بالأمان، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن، الذين قد يجدون أنفسهم أمام دراجات تمر بسرعة داخل فضاءات محدودة المساحة.
فالزقاق الذي يفترض أن يكون مجالاً مريحاً للمشاة يتحول، في بعض الحالات، إلى ممر مشترك تفرض فيه الدراجة حضورها وسرعتها، الأمر الذي يجعل عملية التنقل أكثر توتراً ويقلل من هامش الأمان بالنسبة إلى المارة.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً في السويقات والممرات التجارية، التي يفترض أن توفر للزائر تجربة تجمع بين التسوق والاستمتاع بأجواء المدينة العتيقة، غير أن تداخل حركة الدراجات مع الراجلين والأنشطة التجارية يجعل التجول، في بعض الفترات، تجربة مرهقة ومشحونة بالتوتر.
وفي ظل استمرار هذه الوضعية، تتجه الأنظار أيضاً إلى تدبير المجال الحضري ومدى قدرة المؤسسات المحلية على إيجاد حلول عملية لتنظيم حركة الدراجات داخل الفضاءات الأكثر اكتظاظاً.
وبحسب فاعلين جمعويين، فإن التعامل مع الظاهرة لا يزال دون مستوى حجمها، في وقت يمكن فيه التفكير في إجراءات تنظيمية تراعي خصوصية المدينة، من قبيل تحديد مسارات واضحة للدراجات، وتشديد المراقبة على السرعة والتعديلات غير القانونية على المركبات، وتنظيم الولوج إلى الممرات ذات الكثافة المرتفعة للراجلين.
ويرى المتابعون أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة مع مستعملي الدراجات النارية، وإنما إلى البحث عن توازن بين حق المواطنين في التنقل وحق الراجلين في استعمال الفضاءات العامة بأمان وراحة، مع احترام القواعد المنظمة للسير والجولان.
وبينما تظل الدراجات النارية جزءاً من المشهد اليومي لمدينة فاس، فإن السؤال المطروح اليوم يتجاوز مجرد وجودها إلى كيفية تنظيم حضورها داخل فضاء حضري حساس، حتى لا تتحول وسيلة للتنقل إلى مصدر دائم للضجيج والقلق، خصوصاً في المناطق التي يفترض أن تكون الأولوية فيها للراجلين وللحفاظ على خصوصية العاصمة العلمية.
تعليقات الزوار