هبة زووم – أحمد الفيلالي
في خطوة تثير أكثر من علامة استفهام حول واقع الحكامة داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أطلق الصندوق طلب عروض بقيمة تناهز 1.2 مليون درهم لإنجاز دراسة تشخيصية ومقارنة مرجعية لمنظومة مراقبة التسيير، في اعتراف غير مباشر بأن الآليات المعتمدة لم تعد قادرة على مواكبة حجم المؤسسة وضمان النجاعة والشفافية المطلوبة.
فاللافت في هذه الصفقة ليس قيمتها المالية فحسب، وإنما طبيعة المهام المسندة إليها، إذ تتحدث وثائقها عن تقييم شامل لمنظومة المراقبة الحالية، وقياس مستوى نضجها، ورصد الاختلالات والمخاطر التشغيلية، وإعادة تصميم نموذج القيادة المالية والتنظيمية، وهي كلها مؤشرات توحي بأن المؤسسة تقف اليوم أمام حاجة ملحة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي.
ومن المقرر فتح أظرفة طلب العروض رقم 57/2026 يوم 27 غشت الجاري، فيما يمتد تنفيذ المشروع أربعة أشهر، على أن يضع المكتب الفائز خارطة طريق للإصلاح تمتد بين سنة وسنتين، تشمل إعادة هيكلة منظومة القيادة المالية وآليات مراقبة الأداء واتخاذ القرار.
غير أن هذا التوجه يطرح أسئلة مشروعة حول الأسباب التي دفعت الصندوق إلى اللجوء إلى مكتب دراسات خارجي بمبلغ يتجاوز مليون درهم لتشخيص منظومة كان يفترض أن تكون موضوع مراقبة وتقييم دائمين من قبل أجهزة المؤسسة نفسها.
فإذا كانت منظومة مراقبة التسيير تحتاج اليوم إلى خبرة خارجية لإعادة بنائها، فإن ذلك يثير تساؤلات حول فعالية الأجهزة الداخلية المكلفة بالحكامة والتدقيق والرقابة، ومدى نجاحها خلال السنوات الماضية في مواكبة التحولات التي عرفها الصندوق، خاصة بعد توسيع ورش الحماية الاجتماعية وما صاحبه من ارتفاع كبير في حجم التدبير المالي والإداري.
كما أن اعتماد معايير تقنية صارمة، وإسناد 80 في المائة من التنقيط للعرض التقني مقابل 20 في المائة فقط للعرض المالي، يعكس حساسية المشروع وأهميته، لكنه لا يلغي ضرورة مساءلة أسباب الوصول إلى هذه المرحلة، بعدما أصبح الإصلاح يبدأ أولاً بتشخيص منظومة الرقابة نفسها.
ويرى متابعون أن تحديث الحكامة يظل خطوة إيجابية إذا أفضى إلى إصلاحات حقيقية، غير أن التجارب السابقة أظهرت أن العديد من الدراسات والتقارير المكلفة ظلت حبيسة الرفوف، دون أن تتحول إلى إجراءات عملية تعالج مكامن الخلل وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
واليوم، وأمام هذه الصفقة الجديدة، يبقى الرهان الحقيقي ليس في إنجاز دراسة إضافية، بل في مدى استعداد إدارة الصندوق لتطبيق نتائجها، واتخاذ قرارات إصلاحية جريئة، وتعزيز الشفافية، وضمان حسن تدبير مؤسسة تشكل أحد أعمدة منظومة الحماية الاجتماعية بالمملكة.
فالمواطنون والمنخرطون لا ينتظرون تقارير جديدة بقدر ما ينتظرون إدارة أكثر نجاعة، ورقابة أكثر صرامة، وحكامة قادرة على حماية المال العام وضمان جودة الخدمات، لأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الدراسات المنجزة، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع وتحسين أداء المؤسسة.
تعليقات الزوار