المجلس الوطني للصحافة.. إدريس الكنبوري يحذر من “هيمنة” تصنع الشرعية وتضع الصحافة تحت الوصاية

هبة زووم – الرباط
في تدوينة تحمل نبرة نقدية حادة، اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري أن يفتح مواجهة فكرية وسياسية مع طريقة تشكيل المجلس الوطني للصحافة الجديد، معتبراً أن ما جرى لا يمكن قراءته، في نظره، باعتباره مجرد استحقاق مهني عابر، وإنما باعتباره حلقة ضمن مسار أوسع تتحول فيه بعض الدوائر، بحسب تعبيره، إلى أدوات لإنتاج الشرعية وفرض أنماط محددة من السلوك والخضوع.
الكنبوري استهل تدوينته بالقول إن المغرب، من وجهة نظره، وصل إلى مرحلة «الهيمنة» بالمعنى الذي يحيل إلى مفهوم ماكس فيبر، حيث تصبح الشرعية، كما يرى، مرتبطة بالقدرة على فرض الهيمنة، إلى درجة يتحول معها رفض ما هو مفروض إلى رفض للشرعية نفسها.
وبلغة أكثر صراحة، ذهب الباحث إلى الحديث عن انتقال الحياة العامة إلى ما سماه مرحلة “اللوبيات”، معتبراً أن هذه اللوبيات أصبحت، حسب قراءته، تساهم في تحديد معايير الشرعية، مستندة إلى ما وصفه بـ«الهيمنة المتوحشة».
وفي قلب هذا التشخيص وضع الكنبوري المجلس الوطني للصحافة الجديد، معتبراً أن طريقة انتخاب أجهزته تشكل، في نظره، أحد مظاهر ما سماه “اللولبة” أو Lobbiyisation، محذراً من أن المجلس قد يتحول إلى ما يشبه “مجلس أحبار” يمنح، بحسب تعبيره، “صكوك الوطنية والمهنية” للصحافيين، ويعمل على تنزيل قواعد الهيمنة داخل المجال الصحافي.
ولم يتوقف الباحث عند الجانب المهني، بل ربط ما يعتبره تحولات داخل قطاع الصحافة بمشهد سياسي ومجتمعي أوسع، منتقداً ما وصفه بإخلاء الساحة من الأحزاب السياسية، و”مسخ المثقفين”، و”تدجين المساجد”، و”إخراس العلماء”، مقابل ما اعتبره “إغراق السياسة بالفاسدين”.
وذهب الكنبوري إلى استخدام تعبير شديد الدلالة حين تحدث عن إنشاء ما سماه «كنيسة لمحاربة الهرطقة الصحافية»، في إشارة رمزية إلى المجلس الوطني للصحافة، معتبراً أن المجال الصحافي قد يجد نفسه أمام سلطة جديدة تحدد، وفق قراءته، من هو المهني ومن هو الخارج عن قواعد الشرعية المهنية.
ويضع هذا الطرح المجلس الجديد أمام أسئلة أكبر من مجرد تركيبة أعضائه أو طريقة انتخابهم: ما حدود استقلالية التنظيم الذاتي للصحافة؟ ومن يحدد معايير المهنية؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول آليات التنظيم إلى أدوات للرقابة أو الوصاية؟
كما يفتح النقاش مجدداً حول العلاقة بين الدولة والمجتمع والهيئات المهنية، وحول مدى قدرة المؤسسات المنبثقة عن قوانين التنظيم الذاتي على ممارسة أدوارها باستقلالية، بعيداً عن أي تأثير سياسي أو إداري أو شبكات مصالح.
وبينما تقدم السلطات والمؤسسات الرسمية عادةً مثل هذه الهيئات باعتبارها آليات لتنظيم القطاعات وضمان احترام قواعد المهنة، فإن القراءة التي قدمها الكنبوري تنطلق من زاوية مختلفة تماماً، وتضع مفهوم «الهيمنة» في مواجهة مفهوم «الشرعية»، محذرة من أن الخطر يبدأ عندما يصبح التنظيم المهني مدخلاً لتحديد سقف التعبير والاختلاف.
واللافت في تدوينة الكنبوري أنها لا تكتفي بانتقاد المجلس الوطني للصحافة، بل تقدم قراءة أشمل لمسار يعتبره الباحث تضييقاً تدريجياً لمساحات المجتمع المدني والسياسي والفكري، وصولاً إلى المجال الصحافي.
وفي نهاية تدوينته، اختار الكنبوري عبارة مقتضبة وحادة: “هللوا يا”، تاركاً الجملة مفتوحة، وكأنها دعوة إلى قراءة ما وراء انتخاب المجلس الجديد، وليس الاكتفاء بصورة الاستحقاق المؤسساتي في حد ذاته.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، بعيداً عن اللغة الحادة للتدوينة: هل سيكون المجلس الوطني للصحافة الجديد إطاراً مستقلاً لتنظيم المهنة والدفاع عن أخلاقياتها وحقوق العاملين فيها، أم ستنجح التحولات المؤسساتية في تحويله إلى أداة إضافية لضبط المجال الصحافي؟
الإجابة لن تحسمها التدوينات ولا الخطابات، وإنما ما سيفعله المجلس فعلياً خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على إثبات استقلاليته، وحماية التعددية داخل المهنة، والتعامل بالمعايير نفسها مع مختلف التيارات والمنابر والأصوات الصحافية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد