هبة زووم – الرباط
أعاد الحديث عن دخول الكتلة الديمقراطية إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري فتح دفتر قديم من تاريخ السياسة المغربية، بما يحمله من رهانات الإصلاح الدستوري، وتوتر العلاقة بين الأحزاب والمؤسسة الملكية، ثم التحولات التي نقلت قوى كانت ترفع شعار المواجهة السياسية إلى منطق التوافق والمشاركة في تدبير الحكم.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري قراءة نقدية لمسار الكتلة الديمقراطية، مستحضراً محطات من نشأتها سنة 1992 إلى حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، وصولاً إلى التحالفات الحكومية التي يناقشها المشهد السياسي سنة 2026، وهي قراءة لا تكتفي باستعادة الوقائع، بل تطرح سؤالاً أعمق حول قدرة الأحزاب المغربية على الحفاظ على مبادئ التأسيس عندما تنتقل من موقع المعارضة والضغط إلى موقع المشاركة في السلطة.
يستحضر الكنبوري سنة 1992 بوصفها محطة ميلاد الكتلة الديمقراطية، التي ضمت قوى سياسية سعت إلى تشكيل جبهة ضغط من أجل الإصلاح الدستوري والسياسي، ويعيد التذكير بالخلاف الذي طبع العلاقة بين هذه القوى والملك الراحل الحسن الثاني بشأن شروط الانتقال السياسي، وبالتحفظات التي أبدتها آنذاك على صيغة التناوب المقترحة، خصوصاً في ظل استمرار إدريس البصري في موقعه الحكومي.
ويمنح الباحث هذه المحطة دلالة تتجاوز تفاصيلها التاريخية؛ فالكتلة، وفق قراءته، لم تكن مجرد تجميع لأحزاب متقاربة، بل محاولة لفرض شروط سياسية للإصلاح، وعدم الاكتفاء بتغيير شكلي في تركيبة الحكومة دون ضمانات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.
لكن مسار الأحداث قاد إلى حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، في صيغة سياسية اختلفت عن التصورات الأولى للكتلة، ويعتبر الكنبوري أن قبول المشاركة في حكومة استمر فيها إدريس البصري جسّد مفارقة بين مواقف مرحلة التأسيس ومتطلبات التوافق التي انتهت إليها التجربة.
ومن هنا يستعيد الباحث عبارته النقدية بشأن ولادة حكومة التناوب وهي تحمل، في نظره، تناقضاً داخلياً؛ في إشارة إلى أن التوافق الذي سمح بالانتقال إلى المشاركة الحكومية لم ينهِ بالضرورة الخلافات حول طبيعة السلطة وحدود الإصلاح.
ويمد الكنبوري مقارنته إلى سنة 2026، رابطاً بين التجربة التاريخية للكتلة الديمقراطية والتحالفات الحكومية الجديدة التي يضع فيها حزب الأصالة والمعاصرة في قلب المفارقة، فالحزب الذي واجهته قوى سياسية معارضة عند ظهوره سنة 2008، بسبب طبيعة علاقته المعلنة أو المفترضة بمراكز النفوذ، أصبح اليوم طرفاً في ترتيبات حكومية تجمعه بقوى تنتمي إلى ذاكرة المعارضة والإصلاح.
وتتمثل الفكرة المركزية في قراءة الكنبوري في أن السياسة المغربية شهدت انتقالاً متكرراً من رفض التوافقات في مرحلة معينة إلى قبولها في مرحلة لاحقة، حين تتغير موازين القوى وتصبح المشاركة في الحكومة خياراً مطروحاً أمام الأحزاب.
غير أن المقارنة بين المرحلتين لا تعني بالضرورة تطابقهما؛ فالسياقات السياسية والمؤسساتية مختلفة، كما أن تقييم التحالفات يحتاج إلى النظر في برامجها والتزاماتها ونتائجها، وليس فقط في المواقف التي سبقتها، ومع ذلك، فإن استحضار التناقض بين خطاب المعارضة وممارسة المشاركة يظل مدخلاً مشروعاً لمساءلة مدى ثبات الأحزاب على اختياراتها المعلنة.
تتجاوز تدوينة الكنبوري مسألة أسماء الأحزاب والتحالفات إلى سؤال جوهري حول طبيعة الحكومات المغربية: هل تستطيع حكومة ائتلافية أن تعكس بصورة مباشرة تطلعات الناخبين، أم أن منطق التوافقات يفرض عليها تسويات تحد من قدرتها على تنفيذ البرامج التي تعلنها؟
ويختزل الباحث موقفه في عبارة لافتة مفادها أنه لم توجد في المغرب، حتى اليوم، حكومة شعبية خالصة «كالحليب». وهي عبارة ساخرة تلخص تشككه في إمكان قيام حكومة تتحرر بالكامل من حسابات التوازنات السياسية والمؤسساتية، وتعمل وفق إرادة شعبية صافية لا تشوبها اعتبارات التوافق.
لكن هذا الحكم يظل موقفاً تحليلياً يعبر عن صاحبه، وليس حقيقة نهائية تحسم النقاش حول طبيعة الحكومات المغربية. فقياس مدى تمثيلية أي حكومة يقتضي فحص برنامجها، وكيفية تشكيل أغلبيتها، ومدى انسجام قراراتها مع الوعود الانتخابية، وقدرتها على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية مع تداول الحديث عن دخول الكتلة الديمقراطية إلى حكومة المنصوري؛ إذ لا يكفي استحضار رمزية التكتل التاريخية لتقييم موقعه الحالي، بل ينبغي التساؤل عما إذا كانت مشاركته المرتقبة ستمنح الإصلاحات السياسية والاجتماعية زخماً جديداً، أم ستظل محكومة بمنطق توزيع المسؤوليات وتدبير التوازنات داخل الأغلبية.
في المحصلة، يعيد إدريس الكنبوري طرح إشكالية قديمة تتجدد مع كل مرحلة سياسية: كيف تنتقل الأحزاب من شعارات الإصلاح والتغيير إلى ممارسة السلطة دون أن تفقد جزءاً من هويتها السياسية؟ وبين ذاكرة الكتلة الديمقراطية وتجربة التناوب التوافقي والتحالفات الحالية، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الأحزاب على تحويل التوافق من مجرد آلية لتشكيل الحكومات إلى وسيلة لتحقيق إصلاح ملموس يستجيب لانتظارات المواطنين.
تعليقات الزوار