خطاب الملك أمام برلمان جديد.. الكنبوري يحذر من انفصال الطبقة السياسية عن مغرب التاريخ والهوية

هبة زووم – الرباط
في قراءة للخطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، وجّه الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري انتقادات لاذعة إلى واقع الممارسة السياسية بالمغرب، معتبراً أن الاعتزاز بالهوية المغربية وعراقة الحضارة الوطنية لا ينبغي أن يظل مجرد خطاب رمزي، بل يجب أن يتحول إلى سلوك سياسي وأخلاقي ينعكس على تدبير الشأن العام وخدمة المواطنين.
واعتبر إدريس الكنبوري، في تدوينة نشرها بالمناسبة، أن تأكيد الملك على الهوية المغربية وامتدادها التاريخي يحمل رسائل تتجاوز الاحتفاء بالماضي، خصوصاً في مرحلة تتشكل فيها الحكومة الجديدة ويستهل فيها برلمان جديد ولايته، غير أنه حذّر من أن تفقد هذه الرسائل أثرها إذا لم تجد طريقها إلى الممارسة اليومية للفاعلين السياسيين، في ظل ما وصفه بتغليب المصالح الشخصية والحسابات الانتخابية على المصلحة العامة.
وبلغة مباشرة، تساءل الباحث في الشؤون الإسلامية عن مدى استعداد بعض المنتخبين لاستيعاب مضامين الخطاب الملكي وترجمتها إلى سلوك مسؤول، منتقداً ما اعتبره تناقضاً بين المظهر الذي يقدمه بعض السياسيين والخطاب الذي يتبناه هؤلاء، وبين الممارسة الفعلية داخل المؤسسات.
وربط المتحدث بين الاعتزاز بالمغرب والعمل لمصلحة المغاربة، معتبراً أن الوطنية لا تختزل في الشعارات أو الرموز، وإنما تقاس بالنزاهة والاستقامة واحترام المال العام والوفاء للالتزامات تجاه الناخبين.
وتحمل هذه القراءة رسالة سياسية واضحة مفادها أن افتتاح ولاية تشريعية جديدة لا يكفي وحده لإحداث التغيير، ما لم تتغير قواعد الممارسة السياسية، ويصبح تقييم المسؤولين مرتبطاً بما يقدمونه للمواطنين، لا بما يرفعونه من شعارات خلال المناسبات الرسمية.
وفي محور أكثر حدة، اعتبر الباحث أن عراقة الحضارة المغربية تتعارض مع الفساد والزبونية وتضارب المصالح، كما تتعارض، بحسب تصوره، مع اختلال التوازن بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات المعينة، ومع ما يراه تراجعاً في حضور الهوية الإسلامية للمغرب.
واستحضر في هذا السياق صورة تاريخية للحكم تقوم على تفقد أحوال الرعية، ورد المظالم، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات، وإكرام من يحسن التدبير ومعاقبة من يسيء إلى الأمانة العامة.
ومن خلال هذه المقارنة، أراد الدكتور إدريس الكنبوري إبراز المسافة التي يراها قائمة بين نموذج الحكم القائم على العدل والمحاسبة وبين بعض مظاهر الممارسة السياسية الراهنة. وهي مقارنة تضع سؤال النزاهة في قلب النقاش حول مستقبل المؤسسات، خصوصاً في ظل استمرار مطالب المواطنين بتحسين الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد، وضمان تكافؤ الفرص.
ولم يستثن الباحث المؤسسة التشريعية من نقده، إذ عبّر عن تشككه في قدرة الخطاب السياسي وحده على تغيير سلوك بعض البرلمانيين، معتبراً أن عدداً منهم قد يظل منشغلاً بمصالحه الخاصة وباسترجاع ما أنفقه خلال الانتخابات، بدل جعل خدمة المواطنين أولوية أساسية.
وفي هذا السياق، ذهب إلى أن الخطابات الملكية، مهما كانت قوة رسائلها، لا تستطيع بمفردها إصلاح الممارسات أو تغيير العقليات التي تستفيد من اختلالات المنظومة السياسية، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يقتضي آليات فعالة للمحاسبة، ومؤسسات قادرة على منع الإفلات من المسؤولية.
وتبقى الإشارات الواردة في التدوينة بشأن دوافع بعض المنتخبين واستغلال الانتخابات لتحقيق مصالح شخصية أحكاماً نقدية صادرة عن صاحبها، وليست معطيات تثبت تورط أشخاص بعينهم، غير أن مضمونها يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول كلفة الحملات الانتخابية، ومصادر تمويلها، ومدى تأثير المصالح الخاصة في استقلالية القرار السياسي.
ومن أبرز المفارقات التي توقف عندها الكنبوري، أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، رغم التنصيص عليه دستورياً، لم يؤدِّ، بحسب قراءته، إلى الحد من مظاهر التسيب التي ينتقدها، بل يرى أن هذه المظاهر ازدادت خلال السنوات الأخيرة.
ويطرح هذا الموقف إشكالاً يتجاوز الجدل السياسي إلى جوهر الحكامة الديمقراطية: فالتنصيص الدستوري على المحاسبة لا يحقق أهدافه تلقائياً، ما لم يُترجم إلى مراقبة فعلية، وربط واضح بين المسؤولية والنتائج، وتفعيل للمساطر القانونية عند ثبوت المخالفات، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات الحزبية.
كما أن تجديد النخب والمؤسسات لا يقاس فقط بتغيير الوجوه أو ارتفاع عدد المقاعد التي يحصل عليها حزب أو آخر، بل بمدى قدرة المنتخبين على الوفاء بوعودهم، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم، واحترام قواعد النزاهة والشفافية.
واختتم الباحث في الشؤون الإسلامية تدوينته باستحضار بيت شعري يلخص، في نظره، استمرار بعض الاختلالات رغم تغير الظروف والمؤسسات: “كلما أنبت الزمان قناة، ركب المرء في القناة سناناً”.
وبين الاعتزاز بتاريخ المغرب والرهان على برلمان جديد، تضع هذه القراءة الطبقة السياسية أمام امتحان المصداقية: هل تتحول الرسائل الموجهة إلى المؤسسات إلى ممارسة يومية تحمي المال العام وتعيد الثقة إلى العمل السياسي، أم تظل الخطابات أقوى من الأفعال، وتستمر الفجوة بين رمزية الدولة وانتظارات المواطنين؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد