هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة، عاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى ملف الغلاء الذي يواصل الضغط على القدرة الشرائية للمغاربة، موجهاً انتقادات حادة إلى الطبقة السياسية والحكومة، ومعتبراً أن حالة الهدوء الاجتماعي التي ترافق ارتفاع الأسعار قد لا تعني بالضرورة غياب الاحتقان.
الكنبوري وصف الوضع بأنه يشبه، حسب تعبيره، “الهدوء الذي يسبق العاصفة”، منتقداً ما اعتبره استفحالاً للغلاء في مقابل استمرار ما وصفه بـ”شراهة المفترسين” الذين يحققون، وفق قراءته، مصالحهم على حساب المواطنين.
لكن اللافت في تدوينة الباحث ليس فقط انتقاده للحكومة والأحزاب، وإنما انتقاله إلى طرح سؤال أكبر يتعلق بمسؤولية المؤسسة الملكية، باعتبارها، من منظوره، المؤسسة التي لا تزال تحظى بثقة واسعة لدى المغاربة، في مقابل تراجع الثقة في الأحزاب والفاعلين السياسيين.
ويقول الكنبوري إن انتقاد الأحزاب والهجوم على الحكومة “لم يعد يفيد شيئاً”، معتبراً أن الطبقة السياسية، بحسب تعبيره، أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الانتقادات ولم تعد تتفاعل مع معاناة المواطنين بالشكل المطلوب.
ومن هنا، يضع الكاتب مسألة البيعة في قلب قراءته السياسية، مستحضراً العلاقة الدستورية والتاريخية بين الملك والشعب، ومعتبراً أن هذه العلاقة تتجاوز، في تصوره، العلاقة بين المواطنين والأحزاب والحكومات.
ويذهب الكنبوري إلى أن الأمانة المترتبة عن هذه العلاقة تقتضي، من وجهة نظره، تدخلاً ملكياً لحماية المواطنين من مظاهر الفساد والغلاء التي ينتقدها، وهو طرح يعكس قراءة خاصة منه لطبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والمجتمع ومسؤولية الفاعلين السياسيين.
غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول حدود المسؤولية السياسية للحكومة والأحزاب، وحدود الإحالة على المؤسسة الملكية في كل أزمة اجتماعية أو اقتصادية.
فالغلاء، باعتباره قضية تمس الحياة اليومية للمواطنين، يضع الحكومة والبرلمان والأحزاب أمام مسؤوليات واضحة تتعلق بالسياسات العمومية، والمنافسة والأسعار، والدعم، والقدرة الشرائية، ومحاربة الاحتكار، وفعالية آليات المراقبة.
وفي هذا السياق، يطرح الكنبوري سؤالاً لافتاً حول استخدام بعض السياسيين للخطاب الملكي خلال الحملات الانتخابية، حين يقدمون برامجهم باعتبارها ترجمة للتوجيهات الملكية.
ويتساءل الكاتب بوضوح: “هل يوافق جلالة الملك على هذا؟ وهل سمح لهم بأن يتحدثوا باسمه؟”، ثم يذهب إلى السؤال الأكثر مباشرة: “هل هذا الغلاء وهذا الفساد الذي يقومون به برنامج الملك أم برنامجهم؟”.
وهو سؤال، بصرف النظر عن الموقف منه، يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الإشكالات حضوراً في الحياة السياسية المغربية: أين تنتهي التوجيهات الملكية وأين تبدأ مسؤولية الحكومة والأحزاب في صياغة السياسات وتنفيذها وتحمل نتائجها؟
فاستحضار الملكية في الخطاب السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبرير الاختيارات الحكومية أو تحميل المؤسسة الملكية مسؤولية قرارات تنفيذية تتخذها الحكومة والفاعلون المنتخبون.
وفي المقابل، فإن المواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار لا يكتفي بالبحث عن المسؤولية الدستورية، بل يريد نتائج ملموسة: أسعاراً في المتناول، وخدمات عمومية جيدة، وفرص شغل، وعدالة اجتماعية، ومحاسبة حقيقية لكل من يثبت تورطه في استغلال النفوذ أو تبديد المال العام.
كما أثار الكنبوري موضوع الانتخابات الأخيرة، متحدثاً عن أموال طائلة قال إن بعض المتحزبين أخرجوها خلال الحملة الانتخابية لشراء الأصوات، وربط بين الثروة السياسية ومظاهر الفساد.
وهذه اتهامات خطيرة تحتاج، بطبيعتها، إلى أدلة ومعطيات دقيقة حتى تتحول من خطاب سياسي إلى وقائع قابلة للمساءلة القانونية، لكن السؤال الذي تطرحه التدوينة يبقى مشروعاً على المستوى العام: كيف يمكن حماية الانتخابات من المال غير المشروع، وكيف يمكن ضمان ألا تتحول المنافسة الانتخابية إلى سباق في الإنفاق واستعمال النفوذ؟
الكنبوري يعود كذلك إلى خطاب ملكي سابق انتقد فيه الملك اختباء بعض المسؤولين وراء المؤسسة الملكية عندما تكون سياساتهم غير ناجحة، وهي مسألة تجعل النقاش أكثر ارتباطاً بمبدأ المسؤولية السياسية.
فإذا كانت الحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية، والأحزاب مطالبة بتقديم برامج واضحة ومحاسبة ممثليها، فإن تحميل المؤسسة الملكية نتائج كل إخفاق حكومي أو إداري قد يؤدي، في النهاية، إلى إضعاف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المقابل، فإن استمرار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية يضعان الفاعلين السياسيين أمام امتحان حقيقي، لأن المواطن لا يعيش داخل الخطابات، وإنما داخل الأسواق والأحياء والمستشفيات والمدارس وأماكن العمل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ختم به الكنبوري تدوينته: “إذا لم يكن هذا هو الأوان فمتى يكون؟”، يمكن قراءته باعتباره دعوة إلى تدخل سياسي ومؤسساتي لمعالجة مظاهر الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي.
لكن معالجة هذا الوضع لا يمكن أن تقوم فقط على استدعاء المؤسسة الملكية، كما لا يمكن اختزالها في مهاجمة الأحزاب والحكومة، المطلوب هو تحديد المسؤوليات بدقة، وكشف مكامن الخلل، ومساءلة من اتخذ القرار، وقياس السياسات العمومية بنتائجها الفعلية، فالملك، والحكومة، والبرلمان، والأحزاب، والإدارة، والمجالس المنتخبة، لكل منها اختصاصاته ومسؤولياته.
والتحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم ليس فقط من سيغضب المواطن؟، وإنما من يستطيع أن يقدم له جواباً مقنعاً عن سؤال أبسط وأكثر إلحاحاً: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ومن المسؤول عن ذلك، ومتى ستتحول الوعود والخطب والبرامج الانتخابية إلى إجراءات ملموسة تخفف فعلاً عن المغاربة؟
تعليقات الزوار