هل ستصبح البطاقة الحزبية شرطاً للاستوزار؟ المعاشي يفتح ملف الكفاءة خارج الأحزاب

هبة زووم – الرباط
مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، وعودة بورصة الأسماء والحقائب إلى واجهة النقاش السياسي، يبرز سؤال يتجاوز أسماء المرشحين وتقسيم الوزارات إلى جوهر أكثر أهمية: هل ينبغي أن تكون البطاقة الحزبية بوابة إلزامية نحو المسؤولية الوزارية، أم أن معيار الكفاءة والخبرة والقدرة على التدبير يجب أن يحتل موقعاً مركزياً في عملية اختيار الوزراء؟
السؤال طرحه الكاتب والباحث والخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية، ذ. المعاشي محمد، الذي يرى أن النقاش حول الحكومة المقبلة لا ينبغي أن ينحصر في سؤال “من أي حزب سيأتي الوزير؟”، وإنما يجب أن يمتد إلى أسئلة الاستحقاق والكفاءة والتجربة والإنجاز والنزاهة.
لا ينتقص هذا الطرح من الدور الذي تلعبه الأحزاب السياسية في النظام الدستوري المغربي، فالقانون المنظم للأحزاب يربط وجودها بتأطير المواطنات والمواطنين، وتكوينهم السياسي، وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام، كما يجعلها شريكاً في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب وبالوسائل الديمقراطية.
لكن السؤال الذي يطرحه المعاشي يتجه إلى منطقة أخرى: هل كل كفاءة قادرة على تحمل مسؤولية حكومية مطالبة بالضرورة بالانتماء إلى حزب سياسي؟
فالمغرب يتوفر أيضاً على خبرات راكمت تجاربها داخل الإدارة والجامعة والاقتصاد والمقاولة ومجالات التدبير المختلفة، دون أن تختار بالضرورة الانتساب إلى تنظيم سياسي.
ومن هنا، فإن توسيع النقاش حول معايير الاستوزار لا يعني إقصاء الأحزاب، بل يطرح إمكانية البحث عن التوازن بين الشرعية السياسية التي توفرها الأحزاب وبين الكفاءة التقنية والمهنية التي تحتاجها القطاعات الحكومية.
المعاشي يضع يده على نقطة حساسة حين يؤكد أن الوزارة ينبغي ألا تتحول إلى مجرد مكافأة على الانتماء أو الولاء التنظيمي، فالوزير لا يدير قطاعاً حزبياً، وإنما يتحمل مسؤولية عمومية لها آثار مباشرة على حياة ملايين المواطنين، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التشغيل أو الاستثمار أو المالية أو الإدارة.
ولهذا، فإن السؤال الطبيعي عند طرح أي اسم للاستوزار يفترض أن يكون: ماذا راكم من تجربة؟ ماذا أنجز؟ هل يمتلك القدرة على اتخاذ القرار؟ وهل يستطيع تحمل تبعات المسؤولية العمومية؟ وهي أسئلة لا تلغي الانتماء السياسي، لكنها تضعه داخل منظومة أوسع من معايير الاختيار والاستحقاق.
ويربط الباحث هذا النقاش أيضاً بمسألة الثقة في العمل السياسي، في ظل ما يصفه بوجود محدودية في المشاركة السياسية والانتخابية، فإذا كان جزء من المواطنين يختار عدم الانخراط في الأحزاب، وإذا كانت هناك كفاءات وطنية تفضل العمل من خارج التنظيمات السياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ينبغي أن يصبح عدم امتلاك بطاقة حزبية حاجزاً أمام تحمل المسؤولية الحكومية؟
إنها معادلة دقيقة، فالأحزاب مطالبة بإنتاج النخب وتأهيل الأطر وتقديم البدائل والبرامج، لكنها في الوقت ذاته ليست بالضرورة المجال الوحيد الذي يمكن أن تتشكل داخله الكفاءة الوطنية.
غير أن استقدام الكفاءات من خارج الأحزاب، في حال اعتماد هذا الخيار، لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى عنوان فضفاض يسمح بتجاوز معايير الشفافية والاستحقاق، فالكفاءة ليست صفة تمنح بمجرد الشهرة أو الحضور الإعلامي، كما أن الاستقلال عن الأحزاب لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على إدارة قطاع حكومي.
المعيار، في الحالتين، يجب أن يبقى مرتبطاً بالتجربة، والاختصاص، والإنجاز، والقدرة على التدبير، والنزاهة، وتحمل المسؤولية، وهنا يصبح النقاش أكثر جدية: هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تقدم نموذجاً في اختيار الوزراء يجمع بين الشرعية السياسية والكفاءة المهنية؟
الطرح الذي يقدمه المعاشي لا يدعو إلى إلغاء الدور الحزبي، بل إلى توسيع دائرة التفكير في معايير الاستوزار، فالأحزاب مطالبة بأن تقدم نخبها وكفاءاتها، لكن الكفاءة الوطنية، كما يقول، أوسع من الحدود التنظيمية للأحزاب.
وفي النهاية، تبقى الوزارة مسؤولية عمومية وليست امتيازاً شخصياً، والوزير مطالب بأن يحاسب على ما ينجزه في القطاع الذي يتولى تدبيره، لا على عدد سنوات عضويته داخل حزب أو موقعه داخل هياكله.
ومع تقدم مشاورات تشكيل الحكومة، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: من سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك؟ بل أيضاً: ما المعايير التي ستحدد من يستحق حملها؟
فنجاح أي حكومة لا يرتبط فقط بالهندسة السياسية التي أنتجتها، وإنما كذلك بقدرتها على اختيار أشخاص قادرين على تحويل البرامج إلى سياسات عمومية، والوعود إلى نتائج، والمسؤولية إلى أداء قابل للتقييم والمساءلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد