هبة زووم – الدار البيضاء
بلاغات رسمية، أرقام ضخمة، واجتماعات تنتهي بقرارات توصف بأنها “استراتيجية”… هكذا يبدو المشهد داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يستعد لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب بنيته وتدبير خدماته، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى طرح سؤال أساسي لا ينبغي أن يختفي خلف لغة المؤسسات والأرقام: هل يتعلق الأمر فعلاً بتحديث مؤسسة اجتماعية، أم أننا أمام انتقال تدريجي نحو منطق الشركات؟
فخلال اجتماع مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المنعقد يوم الخميس 3 شتنبر الجاري، برئاسة نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، تمت المصادقة على عدد من القرارات المرتبطة بتوسيع مهام الصندوق ومواكبة اختصاصاته الجديدة، من بينها إحداث شركة مكلفة بتسريع التحول الرقمي، وأخرى ستتولى تدبير المصحات التابعة للصندوق.
ظاهرياً، تبدو الخطوة منسجمة مع خطاب تحديث الإدارة وتحسين الحكامة وتسريع الرقمنة وتطوير الخدمات الصحية، لكن خلف هذه العناوين البراقة توجد أسئلة ثقيلة تتعلق بطبيعة هذه الشركات، وحجم استقلاليتها، وكيفية مراقبتها، ومعايير تدبيرها، ومآل أموال المنخرطين والمستفيدين داخل هذه البنية الجديدة.
فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليس شركة تجارية تبحث عن تعظيم الأرباح، وإنما مؤسسة ذات وظيفة اجتماعية، ومواردها مرتبطة أساساً باشتراكات واقتطاعات وتدبير أموال يفترض أن تبقى في خدمة المؤمن لهم وحماية حقوقهم الاجتماعية والصحية.
ومن هنا، فإن تحويل بعض وظائفه إلى شركات مستقلة أو تابعة يجب ألا يتحول إلى مجرد عملية تقنية لتغيير الشكل القانوني للتدبير، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالشفافية والمراقبة والمردودية الاجتماعية معلقة.
من يراقب هذه الشركات؟ ومن يحدد قواعد اشتغالها؟ وكيف ستتم محاسبتها؟ وهل ستظل المصحات التابعة للصندوق خاضعة للمنطق الاجتماعي الذي أنشئت من أجله، أم ستبدأ تدريجياً في الاشتغال بعقلية المقاولة التجارية؟ هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة التحول الجاري.
ويزداد حجم الرهانات عندما نستحضر حجم المنظومة التي أصبح الصندوق مطالباً بتدبيرها. فبحسب المعطيات المعلنة، بلغ عدد المؤمن لهم في نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض خلال سنة 2025 نحو 25.08 مليون مستفيد، بزيادة قدرها 3 في المائة مقارنة بسنة 2024.
وفي المقابل، ارتفعت التعويضات المصروفة برسم مختلف أنظمة التأمين الإجباري عن المرض إلى 22.65 مليار درهم خلال السنة نفسها، بزيادة بلغت 17 في المائة، فيما وصل إجمالي التعويضات المصروفة إلى 31.5 مليار درهم.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الصندوق يوجد في وضعية مالية كارثية، كما لا تبرر تلقائياً الحديث عن “إغراقه” أو “إفلاسه”، لكنها تكشف، في المقابل، عن حجم مالي واجتماعي هائل يجعل أي تغيير في طريقة التدبير بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من الشفافية.
فكلما اتسعت الأموال التي يديرها الصندوق، وكلما ارتفع عدد المستفيدين، أصبحت الحكامة أكثر حساسية، وأصبح من حق الرأي العام أن يعرف ليس فقط كم يصرف الصندوق، وإنما كيف يصرف، ولمن، وبأي معايير، ومن يراقب، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع الاختلالات؟ أما إنشاء شركة لتدبير المصحات، فيستحق بدوره نقاشاً واسعاً.
فالمصحات التابعة للصندوق يفترض أن تشكل إحدى الأدوات الأساسية لتوفير خدمة صحية ذات جودة للمؤمن لهم. وإذا كان نقل تدبيرها إلى شركة جديدة سيؤدي إلى تحسين الخدمات وتقليص آجال العلاج والرفع من جودة التكفل بالمرضى، فذلك أمر يستحق الترحيب.
لكن إذا كان الأمر سيقود، مستقبلاً، إلى إخضاع هذه المؤسسات لمنطق الربحية التجارية، فإن السؤال يصبح مختلفاً تماماً، هل ستظل أولوية المصحات هي المريض، أم ستصبح المردودية المالية هي المؤشر الأول؟
وهنا ينبغي التوقف عند الخطاب الذي يرافق هذه التحولات. فالرقمنة والحكامة والشركات ليست أهدافاً في حد ذاتها، الهدف الحقيقي يجب أن يكون هو المواطن: أن يحصل على تعويضه في الوقت المناسب، وأن يجد خدمة صحية محترمة، وأن تختصر المساطر، وأن تتم حماية أمواله وحقوقه.
أما إذا أصبح المواطن مجرد رقم في قاعدة بيانات، وأصبحت اشتراكاته مجرد موارد مالية تُدار بمنطق تجاري، فإن المؤسسة تكون قد ابتعدت عن فلسفتها الاجتماعية مهما كانت جودة البلاغات وألوان العروض التقديمية.
والأخطر هو أن تتحول عملية إنشاء الشركات إلى توسيع لبنية إدارية ومالية موازية بما قد يترتب عنها من مصاريف إضافية للتسيير والموارد البشرية والهياكل والمقرات والصفقات والخدمات، في وقت يفترض فيه أن تكون الأولوية هي توجيه أكبر قدر ممكن من الموارد نحو تحسين الخدمة المقدمة للمؤمن لهم.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الموجه إلى إدارة الصندوق، وعلى رأسها حسن بوبريك، ليس عن عدد الشركات التي يمكن إنشاؤها، ولا عن حجم المشاريع التي يمكن الإعلان عنها، وإنما عن الحكامة التي سترافق هذه التحولات.
المغاربة لا يحتاجون إلى مؤسسة تتحول تدريجياً إلى إمبراطورية مالية متعددة الفروع، وإنما يحتاجون إلى مؤسسة اجتماعية قوية، شفافة، خاضعة للمراقبة، وقادرة على حماية حقوقهم.
وإذا كان إحداث الشركات الجديدة ضرورياً لتحديث الصندوق وتحسين أدائه، فليكن ذلك، لكن بشروط واضحة: شفافية في التسيير، نشر المعطيات المالية، رقابة فعالة، تقييم دوري للأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالأرقام وحدها لا تصنع الحكامة، والبلاغات لا تعالج اختلالات التدبير، والشركات ليست غاية في حد ذاتها.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي: هل سيجد خدمة صحية أفضل؟ هل ستتراجع معاناة المرضى؟ هل ستصبح التعويضات أسرع؟ وهل ستُدار أموال المنخرطين بأعلى درجات الحكامة؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
أما تحويل مؤسسة اجتماعية إلى شبكة من الشركات دون تقديم ضمانات واضحة بشأن الحكامة والرقابة، فسيظل مشروعاً مفتوحاً على علامات استفهام كثيرة، وسيجعل من حق المغاربة أن يسألوا، بصوت مرتفع: هل نحن أمام تحديث للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي… أم أمام تغيير تدريجي لطريقة اشتغاله ومنطقه؟
تعليقات الزوار