هبة زووم – الرشيدية
تعيش المنظومة الصحية المحلية بتاديغوست على وقع استقالة طبيبة كانت تزاول مهامها بمستشفى القرب، في واقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول ظروف اشتغال الأطر الصحية بالمناطق القروية، وحدود تدخل السلطات المحلية في مراقبة المؤسسات العمومية، فضلاً عن مدى تأثير مثل هذه الوقائع على استمرارية الخدمات الطبية المقدمة للساكنة.
وبحسب معطيات متداولة، فإن الطبيبة المعنية اختارت وضع حد لمهامها ومغادرة المؤسسة الصحية، بعد فترة قالت فعاليات محلية إنها تميزت بضغوط ومضايقات مرتبطة، بالأساس، بمراقبة حضورها اليومي وتتبع تحركاتها داخل فضاء المستشفى.
وتضع هذه المعطيات، في حال تأكدت رسمياً، طريقة تعامل بعض أعوان السلطة مع الأطر الصحية تحت المجهر، خصوصاً إذا ثبت أن عمليات المراقبة تجاوزت حدود الاختصاص الإداري وتحولت إلى ضغط أثّر على ظروف العمل والاستقرار المهني.
وتفيد مصادر محلية بأن الطبيبة واجهت، خلال فترة اشتغالها بمستشفى القرب، ما وصفته هذه المصادر بأجواء مهنية متوترة، نتيجة ما اعتبرته مراقبة متكررة لحضورها وتحركاتها داخل المؤسسة.
غير أن تحديد المسؤوليات يظل رهيناً بنتائج أي بحث إداري أو تحقيق رسمي يمكن أن يفتح في الموضوع، إذ إن مراقبة انتظام العمل داخل المرافق العمومية تظل، من حيث المبدأ، مسألة مشروعة عندما تتم وفق الاختصاصات والمساطر القانونية.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المراقبة، بحسب ما قد تكشفه نتائج التحقيق، إلى تدخل في تفاصيل العمل المهني للأطر الصحية أو إلى ممارسة ضغوط من شأنها التأثير على ظروف اشتغالهم.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي تطرحه هذه القضية: هل يتعلق الأمر بممارسة عادية لاختصاصات المراقبة الإدارية، أم أن الأمر تجاوز ذلك إلى ممارسات كان لها أثر مباشر على الطبيبة ودفعها في النهاية إلى الاستقالة؟
ولا تكمن أهمية الواقعة فقط في ظروف الاستقالة المزعومة، وإنما كذلك في انعكاساتها المحتملة على الساكنة، فمستشفى القرب بتاديغوست يشكل مرفقاً صحياً أساسياً بالنسبة لسكان الجماعة والمناطق المحيطة بها، في وقت تعاني فيه العديد من المناطق القروية والجبلية من تحديات مرتبطة بتوفير الموارد البشرية الطبية وضمان استقرار الأطر داخل المؤسسات الصحية.
وبالتالي، فإن مغادرة طبيبة للمؤسسة لا يمكن النظر إليها باعتبارها شأناً إدارياً داخلياً فقط، لأن أي نقص إضافي في الموارد البشرية قد ينعكس بشكل مباشر على آجال الاستفادة من الخدمات الطبية وعلى قدرة المؤسسة على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
وأثارت الواقعة، بحسب فعاليات جمعوية محلية، استياءً وتساؤلات بشأن الظروف التي أحاطت باستقالة الطبيبة، وسط مطالب بفتح بحث إداري واضح لتحديد حقيقة ما جرى، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
ويطالب متتبعون بأن يشمل أي بحث محتمل ظروف عمل الطبيبة، وطبيعة عمليات مراقبة حضورها، والجهة التي كانت تقف وراءها، والأساس القانوني الذي استندت إليه، وما إذا كانت تلك الممارسات قد تمت في إطار الاختصاصات المحددة قانوناً أم تجاوزتها.
كما يبرز مطلب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بضرورة حماية الأطر الصحية من أي ضغوط غير مهنية، مقابل ضمان احترامهم في الوقت نفسه للالتزامات المهنية والإدارية المرتبطة بوظائفهم.
وتجد قيادة تاديغوست نفسها، بشكل غير مباشر، أمام مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة واضحة، خصوصاً أن المعطيات المتداولة تربط الضغوط المزعومة ببعض أعوان السلطة التابعين للقيادة.
ولا يعني ورود هذه الادعاءات بأي شكل من الأشكال ثبوت مسؤولية أي شخص بعينه، غير أن خطورة الموضوع تفرض، في حال وجود شكايات أو معطيات رسمية، إخضاعها للتحقق بدل تركها رهينة للروايات المتداولة.
فالسلطة المحلية لها أدوار واختصاصات محددة، والمؤسسات الصحية لها بدورها هياكل إدارية ومسؤولة عن تدبير مواردها البشرية، وهو ما يجعل احترام الحدود الفاصلة بين الاختصاصات أمراً أساسياً لضمان حسن سير المرافق العمومية.
الواقعة تفتح نقاشاً أوسع من مجرد استقالة طبيبة واحدة، يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين مراقبة المرفق العمومي وضمان الانضباط الإداري من جهة، وحماية كرامة الأطر المهنية واستقلالية عملها من جهة أخرى.
فالمرفق الصحي يحتاج إلى الانضباط والحضور والالتزام، لكنه يحتاج أيضاً إلى بيئة عمل مستقرة قادرة على الاحتفاظ بالأطباء والممرضين وباقي المهنيين، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها استقطاب الموارد البشرية الصحية والحفاظ عليها.
وفي انتظار توضيح رسمي من الجهات الصحية والإدارية المعنية، تبقى استقالة الطبيبة بمستشفى القرب بتاديغوست واقعة تستحق التحقيق والكشف عن ملابساتها، لأن القضية لا تتعلق فقط بمغادرة موظفة لمكان عملها، وإنما بسؤال أكبر: هل نجح نظام المراقبة في حماية المرفق الصحي، أم أن طريقة ممارسته ــ إذا ثبتت الادعاءات ــ ساهمت في فقدان المؤسسة لأحد أطرها الطبية؟
والحسم في هذا الجدل لا يمكن أن يكون عبر الاتهامات المتبادلة أو الروايات المتداولة، وإنما عبر بحث إداري شفاف، والاستماع إلى جميع الأطراف، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع والوثائق.
تعليقات الزوار