هبة زووم – الداخلة
اختار هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال لقاء تواصلي نظمه حزبه مساء السبت بمدينة الداخلة، رفع سقف الخطاب السياسي في مواجهة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، منتقداً ما اعتبره اعتماداً مفرطاً على مكاتب الدراسات في صياغة البرامج الحكومية، ومقدماً نفسه وحزبه باعتبارهما الأقرب إلى نبض الشارع وانتظارات المواطنين.
وقال المهاجري، مخاطباً رئيس الحكومة بشكل مباشر: “مكتب الدراسات اللي قاد ليك برنامج الحكومة مسار، ومن نهار دخلتي مسار مسار ولكن انت ما عمرتيش النية، شوفتي المغاربة الويل”، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن ما سماه “الحرب اليوم على الفراقشية”، في إشارة إلى ما وصفه بـ“فراقشية الحوت، وفراقشية الغاز، وفراقشية البترول”.
كما شدد القيادي في حزب “الجرار” على أن البرنامج السياسي لحزبه لا يصنع داخل مكاتب الدراسات، قائلاً: “برنامجنا حنا مصايبناش فمكاتب الدراسات، مصايبنو حنا حيث أولاد الشعب”.
غير أن المهاجري، وهو يوجه مدفعيته الكلامية نحو رئيس الحكومة، يبدو أنه نسي أو تناسى سؤالاً بسيطاً لكنه أكثر إزعاجاً من كل الشعارات: أين تبدأ مسؤولية الحزب الذي ينتمي إليه؟ وأين تنتهي مسؤولية رئيس الحكومة؟
فحزب الأصالة والمعاصرة ليس حزباً معارضاً يجلس في مقاعد المتفرجين وينتظر أخطاء الحكومة ليوجه إليها سهام النقد، الحزب جزء أصيل من الأغلبية الحكومية، وله وزراء ومسؤولون ومنتخبون، وبالتالي فإن انتقاد حصيلة الحكومة لا يمكن أن يتم بمنطق “المعارضة من داخل الأغلبية”، لأن المسؤولية السياسية لا تتجزأ وفقاً للمنصة التي يلقي منها السياسي خطابه.
والأكثر من ذلك أن المهاجري سبق له أن تحمل مسؤولية تمثيلية وسياسية بإقليم شيشاوة لسنوات، وهو ما يجعل من حق الرأي العام أن يطرح عليه، بالحدة نفسها التي خاطب بها رئيس الحكومة، سؤالاً مشروعاً: ماذا قدمتم لساكنة شيشاوة؟
هل أصبحت شيشاوة، بعد سنوات من التمثيلية والوعود والخطابات، نموذجاً في التنمية؟ هل تحولت جماعات الإقليم إلى ورش مفتوح للبنيات التحتية والخدمات العمومية؟ هل تراجعت الفوارق المجالية؟ وهل يشعر المواطن الشيشاوي بأن إقليمه يسير فعلاً بالسرعة نفسها التي تسير بها أقاليم أخرى، أم أن قطار التنمية ما زال يمر بعيداً عن كثير من مناطقه؟
فمن السهل سياسياً أن ترفع الصوت في الداخلة، وأن تتحدث عن “الفراقشية” وعن مكاتب الدراسات وعن معاناة المغاربة، لكن الأصعب هو أن تضع أمام المواطنين كشف حساب واضحاً عن الحصيلة في الدائرة أو الإقليم الذي مثّلته، وعن المبادرات التي نجحت، والمشاريع التي خرجت إلى الوجود، والملفات التي تمكنت من انتزاع حلول لها.
المشكلة ليست في أن ينتقد المهاجري الحكومة؛ فالانتقاد حق مشروع، بل وواجب عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالح المواطنين. لكن المعضلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى مزايدة سياسية، خصوصاً حين يصدر عن قيادي في حزب مشارك في الحكومة، وكأن الحزب لا علاقة له بالقرارات والسياسات التي ينتقدها صاحبه.
وإذا كان المهاجري يرى أن مكاتب الدراسات أخطأت في صناعة البرامج، فمن حقه أن يوضح للرأي العام: هل كان حزبه خارج هذه الاختيارات؟ وهل رفض وزراؤه ومسؤولوه تلك البرامج؟ وهل قدم بدائل مكتملة إلى الحكومة؟ وإذا كان برنامج “أولاد الشعب” الذي تحدث عنه أفضل من البرامج التي صيغت في مكاتب الدراسات، فلماذا لا يضعه أمام المغاربة بالتفصيل، بالأرقام والمشاريع والآجال، بدل الاكتفاء بالشعارات؟
السياسة ليست فقط القدرة على إطلاق العبارات القوية أمام الجماهير، وإنما أيضاً القدرة على تحمل المسؤولية عندما يكون السياسي داخل دائرة القرار.
أما شيشاوة، فربما تكون أفضل من يملك حق طرح السؤال على المهاجري: إذا كان الجميع اليوم مسؤولاً عن “الويل” الذي يتحدث عنه، فمن يتحمل نصيبك أنت من المسؤولية؟
فالذين يملكون الجرأة على محاسبة الحكومة مطالبون، بالقدر نفسه، بأن يسمحوا للمواطنين بمحاسبتهم. وإلا فإن الأمر لا يعدو أن يكون انتقالاً من موقع المسؤولية إلى موقع المزايدة، ومن كرسي المشاركة في القرار إلى منصة انتقاد القرار نفسه.
وهنا تحديداً، لا تحتاج السياسة إلى مكتب دراسات، بل إلى شيء أبسط بكثير: الذاكرة السياسية، والاعتراف بالمسؤولية، ووضع الحصيلة فوق الطاولة.
تعليقات الزوار