الدار البيضاء: هل تحولت عمالة الحي الحسني إلى ماكينة انتخابية لصالح الشنقيطي؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد معركة الانتخابات في عدد من الدوائر الانتخابية بالدار البيضاء، وفق ما يتردد في أوساط سياسية ومحلية، مقتصرة على الأحزاب والمرشحين وبرامجهم وقدرتهم على إقناع الناخبين، بل بدأت تثار بشأنها أسئلة أكثر حساسية تتعلق بحدود تدخل الإدارة الترابية في المشهد الانتخابي، وطبيعة الأدوار التي قد تلعبها بعض شبكات النفوذ في صناعة “الحضور” خلال التجمعات واللقاءات السياسية.
وفي قلب هذه التساؤلات تبرز عمالة مقاطعة الحي الحسني، حيث تتداول أوساط محلية حديثاً عن تعبئة استثنائية للحضور خلال بعض الأنشطة ذات الطابع الانتخابي، وسط اتهامات تحتاج إلى التحقق والتوثيق بشأن إمكانية استعمال علاقات أو وسائل إدارية لضمان امتلاء القاعات ورفع منسوب الحضور لفائدة مرشحين بعينهم.
القضية، إذا صحت المعطيات المتداولة بشأنها، لا تتعلق بمجرد تنظيم لقاء انتخابي أو توفير شروط لوجستيكية لإنجاحه، وإنما تطرح سؤالاً أكبر بكثير: أين تنتهي صلاحيات الإدارة الترابية وأين تبدأ مسؤولية الأحزاب والمرشحين في حشد أنصارهم؟
فالانتخابات يفترض أن تكون تنافساً سياسياً حراً بين مشاريع وبرامج ومرشحين، لا مسابقة في القدرة على تعبئة أكبر عدد من الأشخاص داخل القاعات.
والأكثر إثارة للجدل ما يروج بشأن استعانة بعض الفاعلين بما أصبح يعرف في الأوساط المحلية بـ“التريتور” ليس فقط لتنظيم الجانب اللوجستيكي للقاءات، وإنما ـ بحسب هذه الروايات ـ لتوفير الحضور البشري نفسه.
وهنا تتحول الصورة من مجرد تنظيم لقاء سياسي إلى مشهد شديد الدلالة: حافلات تنقل أشخاصاً، قاعات يجري ملؤها، تصفيق في توقيته، ثم مغادرة جماعية بعد انتهاء اللقاء.
إذا كانت هذه الممارسات موجودة فعلاً، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بشكل اللقاء، وإنما بجوهر العملية الانتخابية نفسها: هل أصبح الحضور السياسي سلعة يمكن اقتناؤها؟
لقد كانت شركات “التريتور” مرتبطة في الأصل بالأعراس والحفلات والمناسبات العائلية، حيث تتولى توفير الطعام والشراب وتنظيم الموائد، أما أن تنتقل الفكرة إلى المجال السياسي لتوفير “الرؤوس البشرية” وإظهار أن هذا المرشح أو ذاك يحظى بشعبية واسعة، فذلك تطور خطير يستحق أكثر من مجرد الاستهجان.
فالقاعة الممتلئة لا تعني بالضرورة أن المرشح محبوب، كما أن التصفيق لا يمثل أصواتاً انتخابية، وعدد الحاضرين في تجمع لا يمكن أن يكون بديلاً عن ثقة الناخبين.
الأخطر من ذلك هو ما يثار حول إمكانية استعمال النفوذ الإداري لتسهيل هذه التعبئة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادات ترابية يفترض فيها الوقوف على مسافة واحدة من مختلف المتنافسين.
وهنا يصبح الصمت غير كافٍ، إذا كانت هناك فعلاً تعليمات أو تدخلات أو ضغوط على رجال السلطة لحشد المواطنين لفائدة مرشح أو حزب، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف سياسي عابر، وإنما بمسألة تمس نزاهة المنافسة الانتخابية وثقة المواطنين في حياد الإدارة.
أما إذا كانت هذه الاتهامات مجرد إشاعات انتخابية أو تصفية حسابات بين المتنافسين، فإن أفضل رد عليها ليس البيانات ولا النفي السياسي، وإنما الكشف عن الحقائق والمعطيات للرأي العام.
من هنا، يصبح من المشروع طرح أسئلة مباشرة على الجهات المعنية: من ينظم هذه اللقاءات؟ من يتكفل بمصاريفها؟ من يوفر وسائل النقل؟ كيف يتم استدعاء الحضور؟ وهل توجد أي علاقة بين المصالح الإدارية وهذه العمليات؟ وهل تتم معاملة جميع الأحزاب والمرشحين بالمعايير نفسها؟ والسؤال الأكثر حساسية: هل تتحول بعض شبكات الإدارة الترابية إلى طرف غير معلن في المعركة الانتخابية؟
إن الإدارة مطالبة بالحياد، والأحزاب مطالبة بالتنافس، والناخب وحده يجب أن يكون صاحب القرار، أما عندما تبدأ الكراسي في القاعات بالتحول إلى مقياس للقوة السياسية، ويصبح عدد الحاضرين جزءاً من “الخدمة” المقدمة للمرشح، فإننا نكون أمام صورة مشوهة للعملية الانتخابية، مهما كان حجم القاعة ومهما ارتفع التصفيق.
الانتخابات ليست عرساً يحتاج إلى “تريتور”، وليست حفلاً يبحث عن ملء الكراسي، الانتخابات أصوات، والأصوات ثقة، والثقة لا تُنقل بالحافلات ولا تُشترى بعدد الوجبات.
ولهذا فإن ما يثار في الحي الحسني يستحق أن يخرج من دائرة الهمس الانتخابي إلى دائرة التدقيق المؤسساتي، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي استحقاق انتخابي ليس أن يفوز مرشح أو يخسر آخر، وإنما أن يشعر المواطن بأن النتيجة تُصنع خارج صندوق الاقتراع قبل أن يصل إليه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد