“المقعد مضمون”.. من أين جاءت رئيسة المجلس الإقليمي للخميسات بشرى الوردي بهذا اليقين الانتخابي؟

هبة زووم – الخميسات
حين تتحول السياسة إلى موائد مفتوحة، وحين يصبح المال مدخلاً لاستمالة الأصوات، وحين يُستعمل اسم السلطة في الكواليس لإيهام الناس بأن نتائج الانتخابات قد حُسمت قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، فإن الأمر لا يعود مجرد تحرك انتخابي عابر، بل يصبح مسألة تمس جوهر العملية الديمقراطية وتضع حياد الإدارة ومصداقية الاستحقاقات أمام امتحان حقيقي.
في إقليم الخميسات، تطرح تحركات انتخابية منسوبة إلى مرشحة حزب الأصالة والمعاصرة، بشرى الوردي، جملة من علامات الاستفهام التي تستوجب التوضيح، خصوصاً في ظل ما يتم تداوله محلياً بشأن توظيف المال والولائم واستمالة بعض الفاعلين، فضلاً عن حديث عن ادعاءات بوجود دعم من السلطة الإقليمية.
وإذا كانت هذه المعطيات مجرد إشاعات انتخابية لا أساس لها، فإن الطريق الطبيعي لحسمها واضح: التوضيح، والشفافية، وفتح المجال أمام الجهات المختصة للتحقق. أما إذا ثبتت ممارسات مخالفة للقانون، فإن الصمت لن يكون سوى تكريس لمنطق الإفلات من المساءلة.
المثير في هذه القضية أن بعض التحركات، وفق إفادات متداولة، تقوم على استهداف الفئات الهشة وتنظيم ولائم متكررة في عدد من المناطق والدواوير، في وقت يفترض فيه أن تكون السياسة نقاشاً حول البرامج والحلول والبدائل، لا سباقاً حول من يستطيع أن ينفق أكثر ومن يملك قدرة أكبر على صناعة الولاءات المؤقتة.
فهل أصبح المواطن مجرد “صوت انتخابي” تتم محاصرته بالمائدة والهدية والوعد؟ وهل تحولت الدواوير والمناطق الهشة إلى خزانات انتخابية لا تُستدعى إلا مع اقتراب موعد الاقتراع؟
الأخطر من المال والولائم، إن صحت المعطيات المتداولة، هو توظيف اسم السلطة في المعركة الانتخابية، فالترويج لكون مرشح أو مرشحة “مدعوم من السلطة” أو أن مقعداً انتخابياً “محسوم سلفاً” ليس مجرد خطاب انتخابي بريء، بل يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص ويزرع الشك في نفوس الناخبين والمرشحين على حد سواء.
والسلطة، في دولة المؤسسات، لا تحتاج إلى مرشح مفضل، ولا إلى مرشح مضمون، ولا إلى من يروّج باسمها في الأسواق والولائم والدواوير. وظيفتها أن تحمي قواعد اللعبة، وأن تقف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، وأن تضمن أن يكون صوت المواطن حراً وغير خاضع للضغط أو الإغراء أو الإيهام بأن النتيجة قد حُسمت في مكان آخر.
أما إذا كان هناك من يستعمل اسم عامل الإقليم أو الإدارة الترابية لتقوية موقعه الانتخابي، فالمطلوب ليس بيانات تبريرية ولا صمتاً إدارياً، بل تحقيق واضح يضع حداً للالتباس ويكشف الحقيقة للرأي العام.
ثم إن الانتخابات ليست وليمة أسبوعية، ولا حقيبة مالية، ولا شبكة من الوسطاء والسماسرة، الانتخابات هي امتحان للبرامج والكفاءات والحصيلة والقدرة على الترافع عن المواطنين. ومن يعتقد أنه يستطيع شراء ثقة الناخبين بموائد عابرة، إنما يسيء أولاً إلى المواطن الذي يفترض أنه صاحب القرار، ويسيء ثانياً إلى المؤسسة المنتخبة التي يفترض أن تكون فضاءً لخدمة الصالح العام.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على السلطات المختصة بإقليم الخميسات بسيط وواضح: هل ستترك هذه الممارسات المتداولة تمر وكأن شيئاً لم يحدث، أم ستفتح عينها على المشهد الانتخابي قبل أن يتحول المال والولائم و”دعم السلطة” المزعوم إلى أمر واقع؟
كما أن السؤال مطروح على الأحزاب السياسية نفسها: ما معنى التنافس الديمقراطي إذا أصبح الطريق إلى المقعد يمر عبر الولائم واستقطاب الأعيان والرهان على الفئات الهشة؟ وأين هي البرامج الانتخابية؟ وأين هي حصيلة الترافع؟ وأين هي المشاريع التي سيُحاسب عليها المنتخب بعد خمس سنوات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي استحقاق انتخابي ليس أن يختلف المرشحون حول البرامج، وإنما أن يشعر المواطن بأن النتيجة تُصنع قبل الاقتراع، وأن المال أقوى من الصندوق، وأن اسم السلطة يمكن أن يتحول إلى بطاقة عبور انتخابية.
لذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب الجهات المختصة: الحياد يجب أن يكون واضحاً، والقانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأي تجاوزات يجب أن تُفحص بالأدلة لا بالإشاعات، وأي مخالفة ثابتة يجب أن تتحمل مسؤوليتها الجهة التي ارتكبتها، أياً كان اسمها أو موقعها.
فالانتخابات النزيهة لا تحتاج إلى الولائم، ولا إلى السماسرة، ولا إلى «التزكيات» المصنوعة في الكواليس، ولا إلى الادعاء بأن المقعد محسوم سلفاً.
تحتاج فقط إلى شيء واحد: أن يُترك المواطن ليختار بحرية، وأن تُترك صناديق الاقتراع لتقول كلمتها، وما عدا ذلك، فليس ديمقراطية.. بل مجرد محاولة لإخراج السياسة من الصندوق وإدخالها إلى المطبخ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد