هبة زووم – تارودانت
حين تتحول الحاجة الاجتماعية إلى مدخل للاستمالة، وتصبح الولائم بديلاً عن البرامج، وتُستعمل الوعود العابرة لتوجيه الاختيارات السياسية، فإن الخطر لا يهدد مرشحاً أو حزباً بعينه، بل يطال جوهر العملية الديمقراطية نفسها.
قبل أسابيع من الموعد الانتخابي، تعيش بعض المناطق بإقليم تارودانت على وقع تحركات انتخابية مكثفة، وسط معطيات وادعاءات متداولة تثير تساؤلات جدية حول طبيعة الوسائل التي يمكن أن تُستعمل لاستمالة الناخبين وحشد الدعم السياسي.
وفي هذا السياق، تتابع “هبة زووم” ما يروج محلياً بشأن تحركات مرتبطة بالانتخابات التشريعية المقبلة بالدائرة الانتخابية تارودانت الجنوبية، والتي تتضمن، وفق ما يتم تداوله، حديثاً عن استهداف فئات هشة وشباب عاطلين عن العمل عبر وعود ومنافع مؤقتة مقابل الانخراط في أنشطة انتخابية.
وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن الأمر يتجاوز حدود التنافس السياسي العادي، ويستدعي تدخلاً سريعاً من الجهات المختصة للتحقق من طبيعة هذه التحركات، ومدى احترامها للقوانين المنظمة للاستحقاقات الانتخابية.
الشباب العاطل.. خزان انتخابي أم مواطنون لهم حقوق؟
من بين أخطر المعطيات المتداولة محلياً، الحديث عن استهداف شباب يعانون من البطالة والهشاشة، عبر تقديم وعود تتعلق بتوفير وسائل للتنقل أو تنظيم أنشطة ورحلات خلال الفترة الصيفية، مقابل الانخراط في تحركات مرتبطة بالحملة الانتخابية.
وتتحدث مصادر محلية عن اشتراط تسجيل المستفيدين في اللوائح الانتخابية، وهو معطى، إذا ثبتت صحته، يطرح أسئلة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام.
فهل أصبح الفقر باباً للاستثمار الانتخابي؟ وهل تحولت البطالة، التي كان يفترض أن تكون موضوعاً للبرامج والسياسات العمومية، إلى وسيلة لاستقطاب الشباب؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي انتخابات هو أن يتحول المواطن المحتاج من صاحب قرار حر إلى مجرد رقم انتخابي قابل للاستثمار، فالشباب لا يحتاجون إلى رحلة موسمية عابرة، بل إلى فرص شغل.
ولا يحتاجون إلى سيارة طيلة شهر انتخابي، بل إلى سياسات حقيقية تضمن لهم الكرامة والاستقرار، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين خدمة المواطن واستغلال حاجته.
الولائم الانتخابية.. حين يصبح الطعام لغة سياسية
وتتحدث معطيات أخرى عن تنظيم لقاءات وولائم بشكل متكرر، تستهدف، بحسب ما يتم تداوله، عدداً من الوسطاء والفاعلين المحليين، مع تركيز خاص على بعض الدواوير والمناطق التي تعرف كثافة انتخابية.
والوليمة في حد ذاتها ليست جريمة، واللقاء السياسي ليس ممنوعاً، لكن السؤال يبدأ عندما تتحول هذه الأنشطة إلى جزء من منظومة واسعة لاستمالة الناخبين أو التأثير على اختياراتهم عبر المنافع المباشرة، هنا يصبح من الضروري التمييز بين التواصل السياسي المشروع وبين الممارسات التي قد تخرج عن قواعد التنافس الديمقراطي.
فالانتخابات ليست مأدبة، والناخب ليس ضيفاً يبحث عن وجبة، والصوت الانتخابي ليس مقابلاً لخدمة موسمية أو منفعة عابرة، إن السياسة التي تُبنى على الموائد قد تنتهي بانتهاء الطعام، لكن آثارها على الثقة في المؤسسات تبقى لسنوات.
ادعاءات حول استمالة منتخبين.. من يتحقق؟
الأكثر خطورة في المعطيات المتداولة هو الحديث عن محاولات لاستقطاب بعض أعضاء الجماعات الترابية عبر عروض مالية أو وعود بمنافع سياسية وانتخابية.
ولا يمكن التعامل مع مثل هذه الادعاءات بمنطق الإشاعة أو التشهير، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي دفنها بالصمت.
فإذا كانت مجرد ادعاءات غير صحيحة، فمن حق الأشخاص المعنيين توضيح الحقيقة للرأي العام، وإذا كانت هناك وقائع أو مؤشرات قابلة للتحقق، فإن مسؤولية السلطات المختصة تقتضي البحث فيها وترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء.
لأن أخطر ما يمكن أن يسبق الانتخابات هو انتشار الاعتقاد بأن النفوذ والمال والوسطاء أصبحوا أدوات أكثر فعالية من البرامج والأفكار.
السلطة مدعوة إلى الحياد والمراقبة
وتزداد حساسية الموضوع مع تداول ادعاءات حول استعمال اسم السلطة أو الإيحاء بوجود دعم من جهات نافذة، وهنا يجب وضع الأمور في إطارها الواضح.
فالسلطة الترابية مطالبة بالحياد الكامل بين جميع المتنافسين، وبضمان احترام القانون وحماية نزاهة العملية الانتخابية.
ولا يجوز، تحت أي ظرف، استعمال اسم أي مسؤول أو مؤسسة عمومية لإيهام المواطنين بوجود دعم رسمي لهذا المرشح أو ذاك.
وإذا كان هناك من يوظف اسم السلطة في الدعاية أو الاستمالة، فإن الأمر يستدعي التحقق والتوضيح، فالانتخابات يجب أن تُحسم بإرادة الناخبين، لا بالشائعات حول من يحظى بالدعم ومن لا يحظى به.
من البرامج إلى سوق الأصوات؟
تارودانت، مثل باقي مناطق المغرب، لا تحتاج إلى انتخابات تُدار بمنطق الوسطاء والسماسرة، تحتاج إلى منافسة حول الأسئلة الحقيقية.
ماذا سيقدم المرشحون للشباب؟ كيف سيُعالج ملف البطالة؟ ما هي برامج فك العزلة عن المناطق القروية؟ كيف ستتم مواجهة الفقر والهشاشة؟ ما هي المشاريع الاقتصادية التي ستخلق فرصاً حقيقية؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح، أما أن تتحول المنافسة إلى سباق في عدد الولائم، وحجم الإنفاق، وعدد الوسطاء، والقدرة على استغلال الحاجة الاجتماعية، فإننا نكون أمام خطر حقيقي يهدد معنى الانتخابات.
المطلوب تحقيق لا تراشق
لا يتعلق الأمر بإدانة أي شخص قبل التحقق من الوقائع، ولا بتوزيع الاتهامات دون أدلة، لكن حجم وخطورة المعطيات المتداولة يفرضان فتح باب التحقق.
وعلى الجهات المختصة أن تكون حاضرة قبل أن تتحول الادعاءات إلى وقائع يصعب تدارك آثارها بعد إعلان النتائج.
فنزاهة الانتخابات لا تُحمى يوم الاقتراع فقط، بل تبدأ حمايتها قبل ذلك، من مراقبة الحملات والتحركات، والتأكد من عدم استغلال الفقر، أو تقديم المنافع مقابل الدعم السياسي، أو استعمال المال للتأثير على الاختيارات الحرة للمواطنين.
فالمواطن في تارودانت ليس رقماً انتخابياً، والشباب العاطل ليس خزاناً للأصوات، والمنتخب المحلي ليس سلعة في سوق الاستقطاب السياسي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى السؤال موجهاً إلى الجميع: هل سنشهد تنافساً حقيقياً بين البرامج والكفاءات، أم أن بعض الفاعلين سيحاولون اختصار الطريق بالمال والولائم والوسطاء؟
ذلك ما ينبغي أن تكشفه التحقيقات الميدانية، وما يجب أن تسهر المؤسسات المختصة على منعه قبل أن يصبح “الندم بعد الانتخابات” هو العنوان الوحيد الممكن، لأن الديمقراطية التي تُشترى بالمصلحة المؤقتة، لا يمكن أن تُبنى منها ثقة دائمة.
تعليقات الزوار