هبة زووم – الرباط
قبل أسابيع قليلة من الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن المشهد السياسي المغربي دخل، مرة أخرى، مرحلة “الميركاتو الانتخابي” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. انتقالات متسارعة، استقطابات في آخر لحظة، أسماء تغادر أحزاباً كانت إلى وقت قريب تدافع عن برامجها وخياراتها، لتظهر فجأة تحت ألوان سياسية جديدة، وكأن الانتخابات لا تحتاج إلى قناعات وبرامج بقدر ما تحتاج إلى إعادة توزيع اللاعبين قبل صافرة البداية.
وفي هذا السياق، نجح حزب الأصالة والمعاصرة في استقطاب الوزير والقيادي السابق في حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد عبو، إلى صفوفه، في خطوة اعتبرها متتبعون ذات وزن انتخابي خاص بإقليم تاونات، بالنظر إلى التاريخ السياسي للرجل وحضوره السابق داخل دائرة تاونات-تيسة.
لكن بعيداً عن لغة “الضربة السياسية” و”الصفقة الوازنة” التي ترافق عادة مثل هذه الانتقالات، يظل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح هو: ماذا تعني هذه الاستقطابات بالنسبة للمواطن؟
فهل انتقل محمد عبو إلى حزب الأصالة والمعاصرة بسبب تحول سياسي وفكري عميق؟ وهل اكتشف الرجل، بعد سنوات من العمل السياسي داخل تنظيمات مختلفة، أن مشروع “الجرار” هو الأقرب إلى قناعاته؟ أم أن الأمر، كما يحدث في كل موسم انتخابي تقريباً، يتعلق بإعادة ترتيب المواقع وضمان أفضل الشروط الممكنة لخوض معركة المقاعد؟
أسئلة مشروعة، لأن المواطن الذي يطلب منه السياسيون الثقة كل خمس سنوات أصبح يتابع مشهداً غريباً: سياسي يقضي سنوات داخل حزب، يدافع عن خطه السياسي، ويهاجم خصومه، ثم لا يلبث أن يجد نفسه في الحزب المنافس، يهاجم رفاق الأمس ويدافع عن خصوم الأمس.
وهنا تبدأ أزمة السياسة الحقيقية، فالتحاق محمد عبو بحزب الأصالة والمعاصرة يأتي بعد سلسلة من الاستقطابات التي شهدها إقليم تاونات، من بينها انتقال أسماء برلمانية وسياسية من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى “البام”، وهو ما يكشف أن المعركة، في جزء كبير منها، لم تعد تدور فقط حول البرامج والمشاريع المجتمعية، بل حول من يستطيع تجميع أكبر عدد من الأعيان والأسماء الانتخابية القادرة على جلب الأصوات.
وهذا بالضبط هو الخطر، لأن الحزب السياسي، في الأصل، يفترض أن يكون مدرسة للأفكار، وتنظيماً يؤطر المواطنين، ويصنع النخب، ويقدم مرشحين انطلاقاً من العمل السياسي والتنظيمي، لكن ما الذي يبقى من هذه الصورة عندما يصبح الحزب، مع اقتراب الانتخابات، مجرد محطة لاستقبال الوافدين من تنظيمات أخرى؟
هل يحتاج حزب الأصالة والمعاصرة فعلاً إلى استيراد الأسماء من الأحزاب المنافسة لأنه لم يجد داخل صفوفه كفاءات قادرة على تمثيله في تاونات؟ وأين هم مناضلوه الذين اشتغلوا داخل التنظيم لسنوات؟ وهل ستجد هذه القواعد نفسها مطالبة، مرة أخرى، بالتصفيق للوافد الجديد وتسخير التنظيم لخدمة مرشح لم يشاركها سنوات العمل والنضال؟
والسؤال نفسه يمكن توجيهه إلى حزب التجمع الوطني للأحرار: ماذا يعني فقدان عدد من الأسماء والمنتخبين في منطقة واحدة قبل الانتخابات؟ وهل الأمر مجرد انتقالات عادية، أم أنه مؤشر على أزمة تنظيمية وسياسية أعمق؟
محمد عبو، بلا شك، اسم يمتلك تجربة سياسية وتدبيرية طويلة، وشغل مناصب وزارية وراكم حضوراً انتخابياً داخل منطقته، لكن التجربة السياسية، مهما كانت طويلة، لا ينبغي أن تعفي صاحبها من سؤال القناعات والمواقف.
فالسياسة ليست مجرد رصيد انتخابي قابل للتحويل من حزب إلى آخر، وإذا كانت الأحزاب تحتفل اليوم بالوافدين الجدد باعتبارهم “صفقات سياسية”، فإن الناخب يملك الحق في أن يتساءل: من يضمن أن يبقى هؤلاء في الحزب الجديد بعد الانتخابات؟
لقد أصبح الترحال السياسي، أو ما يمكن تسميته بـ”الميركاتو الحزبي”، واحداً من الأسباب التي ساهمت في تعميق فقدان الثقة في العمل السياسي. فالمواطن البسيط لا يفهم بسهولة كيف يمكن لسياسي أن ينتقل من حزب إلى آخر، بينما يظل الخطاب الانتخابي نفسه يتحدث عن المبادئ والثوابت والالتزام السياسي.
وفي تاونات، كما في مناطق أخرى، يبدو أن الأحزاب دخلت مرحلة جمع الأوراق الانتخابية الثقيلة، استعداداً لمعركة المقاعد. غير أن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط كل هذه الحسابات هو: وماذا عن المواطن؟
هل سيستفيد من هذه التحولات السياسية؟ وهل ستتحول المنافسة إلى نقاش حقيقي حول التنمية والصحة والتعليم والطرق والشغل؟ أم أن كل هذه الانتقالات ستنتهي، بعد الانتخابات، إلى مجرد إعادة توزيع للكراسي والمواقع؟
فالأحزاب قد تربح اسماً انتخابياً، وقد تخسر حزباً منافساً أحد رموزه، وقد تتغير موازين القوى داخل إقليم أو دائرة، لكن الخاسر الأكبر يبقى هو السياسة نفسها عندما تتحول القناعات إلى حقائب سفر، ويصبح تغيير الحزب جزءاً عادياً من الاستعداد للانتخابات.
إن محمد عبو من حقه اختيار الحزب الذي يريد الانتماء إليه، ومن حق حزب الأصالة والمعاصرة استقطاب من يراه إضافة إلى صفوفه، ومن حق التجمع الوطني للأحرار إعادة ترتيب أوراقه، لكن من حق المواطن أيضاً أن يعرف: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الحزب بالذات؟ وماذا تغير في القناعات حتى تغير الموقع السياسي؟ تلك هي الأسئلة التي لا تستطيع كل «الصفقات السياسية» ولا كل حسابات الميركاتو الانتخابي الهروب منها.
لأن الانتخابات ليست سوق انتقالات، والمقاعد البرلمانية ليست جوائز تُمنح لمن ينجح في اختيار الحزب الأقوى في اللحظة المناسبة، والأهم من كل ذلك: أن الناخب المغربي لم يعد بحاجة إلى رؤية السياسي وهو يغير لون الشعار الذي يقف خلفه، بل يريد أن يرى تغييراً حقيقياً في واقعه.
أما الأحزاب التي تواصل جمع الأسماء قبل الانتخابات، فعليها أن تتذكر أن كثرة الوافدين لا تعني بالضرورة قوة المشروع، وأن الحزب الذي لا يستطيع صناعة نخبه من داخله سيظل، مهما جمع من الأسماء، مجرد محطة مؤقتة في رحلة السياسيين نحو المقعد.
تعليقات الزوار