الكنبوري يسائل لقجع: هل سيقود “الجرار” أم أن “الجرار” هو من سيجره؟

هبة زووم – الرباط
يبدو أن انتقال فوزي لقجع إلى عالم السياسة الحزبية لم يمر مرور الكرام، إذ اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري أن يضع تجربته الجديدة داخل حزب الأصالة والمعاصرة تحت مجهر نقدي لاذع، محذرا من الخلط بين منطق الانتصارات في ملاعب كرة القدم وتعقيدات العمل السياسي داخل الأحزاب.
الكنبوري، في تدوينة ساخرة وحادة، توقف عند الخطاب الأخير للقجع، الذي تحدث فيه بلغة هادئة عن خدمة الوطن، وانتقد ما وصفه بثقافة “توزيع الغنائم”، كما شدد على ضرورة مواجهة المتلاعبين بأسعار اللحوم.
لكن الباحث يرى أن المشكلة لا تكمن في جمال الخطاب ولا في قوة الشعارات، بل في البيئة السياسية التي اختار لقجع أن يدخل إليها، وفي قدرته الفعلية على تحويل تلك الشعارات إلى ممارسة داخل تنظيم حزبي له تاريخه وتركيبته وموازين القوى الخاصة به.
وكتب الكنبوري، في معرض تعليقه، أن لقجع القادم من عالم كرة القدم قد لا يدرك بعد الفرق بين “المنتخب الوطني” و”المنتخبين”، في إشارة ساخرة إلى أن إدارة فريق كروي، مهما كانت تعقيداتها، تختلف جذريا عن تدبير حزب سياسي تحكمه الحسابات الداخلية والصراعات التنظيمية والمصالح والرهانات الانتخابية.
ومن هنا يطرح السؤال الذي يبدو أنه جوهر تدوينة الكنبوري: هل يستطيع فوزي لقجع أن يدخل حزب الأصالة والمعاصرة ليغير فيه شيئا فعلا، أم أنه سيدخل إلى منظومة أكبر منه، لها تقاليدها وتوازناتها، لينتهي به الأمر متأثرا بها أكثر مما يستطيع التأثير فيها؟
فالكنبوري يستحضر ما وصفه بثقافة “توزيع الغنائم”، وهي الثقافة التي قال إن عددا من الأسماء التي صنعت المراحل الأولى للحزب ساهمت في ترسيخها، قبل أن يأتي لقجع اليوم متحدثا عن تجاوزها وخدمة الوطن.
وهنا تصبح المسألة، بحسب هذا الطرح، أكثر من مجرد انضمام شخصية وازنة إلى حزب سياسي، إنها امتحان حقيقي: هل يستطيع الوافد الجديد أن يشكل داخل الحزب قوة تدافع عن الأفكار التي يرفعها؟ وهل يملك القدرة على مواجهة منطق المصالح عندما يصطدم به داخل التنظيم؟
واستعان الكنبوري بصورة ساخرة لتلخيص هذا السؤال حين تساءل عما إذا كان لقجع سيكون “الجرار الذي يجر سيارة غارقة”، أم أن “الجرار هو الذي سيجره”.
وهي صورة تختزل معضلة السياسة الحزبية المغربية: فكم من شخصية دخلت حزباً وهي تحمل خطاب الإصلاح والتغيير، قبل أن تجد نفسها، بعد فترة قصيرة، جزءاً من المنطق نفسه الذي كانت تعتقد أنها جاءت لمواجهته؟
فوزي لقجع يدخل السياسة وهو يحمل معه رصيداً كبيراً صنعه في مجال كرة القدم، حيث ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بتحولات مهمة في الكرة المغربية، لكن تحويل النجاح في مجال إلى نجاح في مجال آخر ليس عملية أوتوماتيكية.
فالملعب له قوانينه، والنتيجة فيه تحسمها تسعون دقيقة أو ركلات الترجيح أو عدد الأهداف، أما السياسة، فلا توجد فيها صافرة نهاية واضحة، ولا حكم يعلن انتهاء المباراة، ولا ترتيب يمكن أن يكشف بسهولة من ربح ومن خسر.
في السياسة، هناك تحالفات تتغير، ووعود تتبدل، ومصالح تتقاطع، وقيادات تبحث عن مواقعها، وتنظيمات محلية لها حساباتها، وانتخابات لا تُحسم دائماً بمنطق الكفاءة أو جودة الخطاب، ولهذا يبدو تحذير الكنبوري موجهاً أساساً إلى التفاؤل الذي قد يصاحب لقجع القادم من عالم الانتصارات الرياضية.
فالنجاح في تدبير كرة القدم لا يمنح بالضرورة مفاتيح إصلاح حزب سياسي. والشهرة لا تعني القدرة على تغيير البنيات التنظيمية، كما أن الخطاب عن خدمة الوطن لا يكفي وحده إذا لم يتحول إلى مواقف عملية عندما يتعلق الأمر بالترشيحات والمال الانتخابي واستقطاب الأعيان وتوزيع المسؤوليات.
والاختبار الحقيقي للقجع لن يكون في المنصة الخطابية، ولا في التصفيق الذي قد يرافق ظهوره في اللقاءات الحزبية، بل في اللحظة التي سيجد فيها نفسه أمام قرار تنظيمي صعب.
ماذا سيفعل عندما تصطدم شعاراته بالمصالح؟ هل سينتصر لمبدأ الكفاءة عندما يتعلق الأمر بالتزكيات؟ هل سيواجه فعلاً كل ما يعتبره “ثقافة للغنائم” إذا وجدها داخل محيطه السياسي؟ وهل يستطيع أن يكون رقماً مؤثراً داخل الحزب، أم مجرد اسم كبير يضاف إلى قائمة الوجوه التي تستثمرها الأحزاب في لحظات انتخابية حساسة؟
إن السؤال الذي طرحه الكنبوري، رغم سخريته، يبقى سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل يمكن لشخص واحد، مهما كانت قوته ونفوذه وخبرته، أن يصلح تنظيماً سياسياً بمفرده؟
لقد يكون لقجع متفائلاً، وقد يكون مقتنعاً بأنه قادر على نقل شيء من ثقافة التنظيم والانضباط وتحقيق النتائج من كرة القدم إلى السياسة، لكن السياسة المغربية، كما يوحي الكنبوري، ليست ملعباً يسهل فيه تحديد الخصم، ولا مباراة يمكن الفوز بها بمجرد امتلاك فريق جيد.
إنها منظومة معقدة، ومن يدخل إليها حاملاً مشروع تغيير يجد نفسه أمام امتحان أكبر من الخطابات، فهل سيكون فوزي لقجع بالفعل الرجل الذي يقود «الجرار» نحو طريق جديد؟ أم أن “الجرار”، بما يحمله من تاريخ وتوازنات وحسابات، هو الذي سيحدد في النهاية اتجاهه؟
ذلك هو السؤال الذي لن تجيب عنه الكلمات الجميلة ولا الشعارات الوطنية، وإنما الأيام والمواقف والقرارات التي سيتخذها لقجع داخل أول اختبار سياسي حقيقي يخوضه، ففي كرة القدم قد تصنع الانتصارات نجماً، أما في السياسة فإن الامتحان الأصعب يبدأ غالباً بعد انتهاء التصفيق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد