هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تكشف جانبا من الانتقادات الموجهة إلى آليات التمثيلية السياسية داخل البرلمان، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى إثارة الجدل حول صيغة اللائحة الجهوية، معتبرا أن وصول النساء إلى المؤسسة التشريعية ينبغي أن يتم عبر منافسة انتخابية حقيقية، لا عبر ترتيبات حزبية مغلقة قد تتحول، بحسب توصيفه، إلى شكل جديد من أشكال الريع السياسي.
اليحياوي شدد، منذ البداية، على أنه لا يعارض وصول النساء إلى البرلمان، لكنه يرفض الطريقة التي يتم بها ذلك عبر لوائح جهوية منفصلة عن نمط المنافسة الانتخابية الذي يخضع له الرجال.
وقال إن الخطاب الذي رافق اعتماد هذه الصيغة قدمها باعتبارها آلية لإنصاف المرأة وتمكينها من تجاوز الطابع الذكوري الذي ظل يطبع المؤسسة التشريعية، غير أن التطبيق العملي، حسب قراءته، أفرز واقعا مختلفا، حيث أصبحت المنافسة محدودة، وأضحى الوصول إلى البرلمان مرتبطا، في حالات عديدة، بقرار الحزب أكثر من ارتباطه بالاحتكاك المباشر بالناخبين.
ويتوقف الباحث عند العدد المرتقب من النساء اللواتي سيصلن إلى البرلمان في الاستحقاقات المقبلة، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في حضور المرأة داخل المؤسسة التشريعية، بل في طبيعة الطريق التي تسلك للوصول إليها.
ففي نظره، لا ينبغي أن يكون تمثيل النساء نتيجة مجرد ترتيب تنظيمي أو قرار حزبي، وإنما ثمرة تجربة سياسية وميدانية، وقدرة على التواصل مع المواطنين، والاحتكاك بقضاياهم اليومية، وخوض منافسة انتخابية حقيقية تضع المرشحة أمام اختبار الكفاءة والثقة الشعبية.
ويذهب اليحياوي إلى أن أحد أخطر الاختلالات المرتبطة بهذه الصيغة يتمثل في ما وصفه بتغليب منطق القرب العائلي والتنظيمي في منح التزكيات.
وبلغة ساخرة، اعتبر أن الأحزاب قد تمنح مواقع متقدمة لمن وصفهن بـ”المرضى عنهن”، أي المقربات من دوائر القرار الحزبي، دون أن يكون معيار الكفاءة أو التجربة السياسية حاضرا دائما بالقوة نفسها.
ويحذر صاحب التدوينة من تحول التمثيلية النسائية، في بعض الحالات، إلى امتداد للنفوذ العائلي، حين يصبح من الممكن أن تحضر الأسرة نفسها في البرلمان عبر أكثر من بوابة: الأب أو الابن أو أحد أفراد العائلة في دائرة انتخابية، مقابل الزوجة أو الابنة أو أكثر من قريبة في اللائحة الجهوية.
وهنا يستعمل اليحياوي عبارة شديدة الدلالة، حين يتحدث عن “ريع خالص، مضمون وقابل للتوريث”، في إشارة إلى ما يعتبره انتقالا للنفوذ السياسي من منطق التنافس والتمثيل إلى منطق إعادة إنتاج العائلات النافذة داخل المؤسسات.
وبذلك، يصبح البرلمان، حسب انتقاده، معرضا للتحول إلى “برلمان عائلات”، حيث تتراجع فكرة تجديد النخب وتوسيع المشاركة السياسية أمام استمرار الأسماء نفسها، أو الدوائر العائلية نفسها، بأشكال انتخابية مختلفة.
ويرى اليحياوي أن الدفاع الحقيقي عن حضور المرأة في السياسة لا ينبغي أن يعني وضعها في مسار انتخابي منفصل، بل تمكينها من الوصول إلى المجال السياسي عبر الشروط نفسها التي تصنع الشرعية التمثيلية: العمل الميداني، الاحتكاك بالمواطنين، بناء الرصيد السياسي، وخوض الانتخابات في مواجهة مباشرة مع باقي المرشحين.
فالمشكل، بالنسبة إليه، ليس في أن تكون المرأة برلمانية، بل في أن يتحول شعار تمكين المرأة إلى غطاء لترتيبات حزبية مغلقة، يستفيد منها أحيانا من يملكون القرب والنفوذ أكثر مما تستفيد منها النساء المنخرطات فعليا في العمل السياسي والمدني.
ويصل اليحياوي في نهاية تدوينته إلى مفارقة ساخرة حين يتساءل عما إذا كانت هذه الصيغة تضر بالديمقراطية، قبل أن يجيب بأن الأمر لا يمكن أن يضر بشيء غائب أصلا عن هذه الترتيبات.
فبين ما يجري داخل الممارسة الانتخابية، وبين الديمقراطية بمعناها القائم على المنافسة وتكافؤ الفرص وتجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبدو المسافة، حسب تعبيره، شاسعة إلى درجة يمكن اختزالها في المثل الشعبي: «من الواد لهيه».
وهي خلاصة تلخص انتقادا أوسع للمشهد الانتخابي برمته: فالديمقراطية لا تختبر فقط بعدد المقاعد المخصصة للنساء أو للشباب، وإنما بالطريقة التي يصل بها الجميع إلى المؤسسات، وبمدى استقلال الاختيار الحزبي عن المال والنفوذ والقرابة، وبقدرة الناخبين على اختيار من يمثلهم بناء على الكفاءة والمسار والثقة.
أما عندما تتحول اللوائح إلى أبواب خلفية لإعادة إنتاج النخب نفسها وعائلاتها ومحيطها، فإن السؤال، وفق منطق اليحياوي، لن يعود حول تمكين المرأة أو الرجل، بل حول: من يتم تمكينه فعلا، ومن يملك مفاتيح الوصول إلى البرلمان؟
تعليقات الزوار