الجديدة.. موسم صيفي على إيقاع الغلاء والفوضى فمن يحاسب المسؤولين؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
يبدو أن مدينة الجديدة، التي يفترض أن يكون موسم الصيف بالنسبة إليها فرصة لإبراز مؤهلاتها السياحية وتحسين صورتها واستقطاب الزوار، وجدت نفسها، مرة أخرى، أمام موسم مثقل بشكاوى المصطافين من ارتفاع الأسعار، وفوضى مواقف السيارات، وضعف جودة بعض الخدمات، في مشهد يطرح سؤالاً مباشراً: هل تحولت السياحة الصيفية إلى فرصة لتنمية المدينة، أم إلى موسم مفتوح لجني الأرباح على حساب الزائر والمواطن؟
فعدد من زوار المدينة لم يخفوا استياءهم مما وصفوه بالارتفاع غير المبرر في أسعار عدد من المواد والخدمات، خاصة خلال ذروة الموسم الصيفي، حيث يبدو أن الطلب المرتفع يتحول لدى بعض المتدخلين إلى مبرر لرفع الأسعار، في ظل تساؤلات متزايدة حول فعالية أجهزة المراقبة ومدى حضورها في الميدان.
فالمراقبة، عندما تكون موسمية أو شكلية، لا يمكنها أن تحمي المستهلك. والقانون، عندما لا يُفعل بالصرامة المطلوبة، يترك الباب مفتوحاً أمام كل أشكال الفوضى والاستغلال. لذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يرفع الأسعار، بل أيضاً: أين الجهات التي يفترض أن تراقب وتحمي المستهلك؟ وأين هي حصيلة حملات المراقبة خلال موسم يعرف إقبالاً استثنائياً؟
وإذا كان الغلاء يمثل أحد أوجه الأزمة، فإن ملف مواقف السيارات يبدو بدوره وكأنه جزء من الفوضى الصيفية التي تتكرر دون حلول جذرية. ففي عدد من المناطق التي تعرف إقبالاً كثيفاً، يجد المواطن نفسه أمام أشخاص يطالبونه بأداء مبالغ مالية مقابل ركن سيارته، بينما تبقى الأسئلة معلقة حول الوضع القانوني لهذه المواقف، والجهات التي تدبرها، والتعريفات المعتمدة، والمصير الحقيقي للمداخيل المحصلة.
وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل بسيط، لأن الفضاء العمومي ليس مجالاً للفوضى، ومواقف السيارات لا ينبغي أن تتحول، كل صيف، إلى مصدر قلق جديد للمصطافين، فمن حق المواطن أن يعرف: من يسير؟ ومن يراقب؟ وبأي سند يتم استخلاص الأموال؟
أما النظافة، فهي مسؤولية مشتركة لا يمكن إعفاء المواطن منها. فمشاهد الأزبال والقنينات البلاستيكية وبقايا الأكل التي تترك في بعض الشواطئ والفضاءات العمومية تكشف، في جانب منها، عن ضعف الوعي والسلوك المدني. لكن تحميل المواطن المسؤولية وحده سيكون بدوره هروباً من الحقيقة.
فأين الحاويات الكافية؟ وأين فرق التنظيف؟ وأين المراقبة؟ وأين الحملات التحسيسية التي يجب أن تسبق موسم الاصطياف بدل الاكتفاء بالشعارات بعد وقوع المشكل؟
الجديدة لا تعاني من نقص في المؤهلات. فهي مدينة تتوفر على رصيد تاريخي وشريط ساحلي ومقومات سياحية تجعلها قادرة على منافسة عدد من الوجهات الوطنية. غير أن هذه المؤهلات وحدها لا تصنع مدينة سياحية ناجحة.
فالمدينة السياحية لا تقاس بعدد السيارات التي تدخل إليها خلال شهر غشت، ولا بعدد الشقق التي يتم كراؤها، ولا بحجم الأموال التي يتم تداولها في موسم قصير، السياحة الحقيقية تقاس بجودة الخدمات، ونظافة الفضاءات، وتنظيم النقل، وضبط الأسعار، واحترام الزائر.
ومن بين الملفات التي تستحق بدورها وقفة جدية، مسألة الاستفادة الاقتصادية للساكنة المحلية من الموسم الصيفي. فحسب ملاحظات عدد من المهتمين بالشأن المحلي، فإن الإقبال الكبير على المدينة لا ينعكس دائماً بالشكل الكافي على أبناء الجديدة، في ظل حضور فاعلين وتجار ومقدمي خدمات قادمين من خارج المدينة للاستفادة من عدد من الأنشطة الموسمية المدرة للدخل.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنع أي مواطن من الاستثمار أو ممارسة نشاط اقتصادي، بل بطرح سؤال مشروع حول كيفية ضمان استفادة الاقتصاد المحلي وساكنة المدينة من الثروة التي يخلقها الموسم السياحي.
إن استمرار الحديث، كل صيف، عن الغلاء والفوضى ومواقف السيارات والخدمات والنظافة، يعني أن المشكل لم يعد مجرد حادث موسمي عابر، بل أصبح دليلاً على غياب معالجة استباقية حقيقية.
فالمصطاف لا يحتاج إلى خطابات احتفالية عن نجاح الموسم، بل يحتاج إلى مدينة تحترمه وتحترم جيبه ووقته وحقه في خدمات منظمة، والجديدة اليوم ليست بحاجة فقط إلى مزيد من الزوار، بل إلى موسم سياحي يخضع للحكامة والمراقبة والمحاسبة.
لأن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بعد نهاية كل موسم ليس: كم زائراً استقبلت المدينة؟ بل: ماذا وجد هؤلاء الزوار؟ كم دفعوا؟ كيف عوملوا؟ وما الصورة التي سيحملونها عن الجديدة عندما يغادرون؟
فإذا بقي الصيف موسماً للغلاء والفوضى واستغلال الضغط السياحي، فإن المدينة قد تستمر في استقبال المصطافين بحكم مؤهلاتها الطبيعية، لكنها ستخسر تدريجياً أهم رأسمال في السياحة: ثقة الزائر ورغبته في العودة.
والرهان اليوم أمام المسؤولين ليس تزيين صورة موسم صيفي انتهى أو يوشك على الانتهاء، بل فتح تقييم حقيقي وصريح للاختلالات، وترتيب المسؤوليات، والاستعداد منذ الآن للموسم المقبل.
فالجديدة تستحق سياحة منظمة، والمواطن يستحق الحماية، والزائر يستحق الاحترام.. أما الفوضى فلا ينبغي أن تصبح برنامجاً صيفياً يتكرر كل سنة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد