محمد طلال ينسحب من سباق عين الشق ويكشف “الوجه المظلم” للانتخابات: مصاحف وأموال وسماسرة في سوق الأصوات؟

هبة زووم – الدار البيضاء
في خرجة غير معتادة، اختار محمد طلال، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية بدائرة عين الشق والناطق الرسمي السابق باسم نادي الوداد الرياضي، الانسحاب من سباق الانتخابات التشريعية المقبلة قبل انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً، معلناً أن القرار فرضته ظروف عائلية طارئة ومستعجلة.
لكن ما كان يفترض أن يكون مجرد إعلان انسحاب شخصي، تحول إلى شهادة سياسية صادمة حول ما قال طلال إنه عاينه خلال تجربته القصيرة في عالم الانتخابات، حيث تحدث عن ممارسات تضع العملية الديمقراطية نفسها أمام أسئلة محرجة، وعن «مفسدين» و«سماسرة» وتحويل المواطن إلى مجرد رقم انتخابي قابل للبيع والشراء والاستغلال.
وأكد طلال أن انسحابه لا يرتبط بتراجع انتخابي أو فشل في خوض المنافسة، غير أنه استغل المناسبة لتوجيه انتقادات لاذعة لما وصفه بمظاهر الفساد التي تحيط ببعض الممارسات الانتخابية.
“مصاحف على الموائد”.. اتهامات تستدعي التوضيح والتحقيق
من أخطر ما ورد في تدوينة طلال حديثه عن ممارسات قال إنه وقف عليها، من بينها وضع مصاحف قرآنية على موائد نساء لدفعهن إلى القسم بعدم “خيانة عهد المانح”، إلى جانب حديثه عن استغلال فقر وحاجة المواطنين في سياق البحث عن الأصوات.
هذه المعطيات، إن كانت مرتبطة بوقائع محددة وقابلة للإثبات، لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد استعارات سياسية أو غضب عابر لشخص قرر الانسحاب من المنافسة.
فالسؤال المطروح اليوم هو: هل يملك محمد طلال معطيات دقيقة حول هذه الممارسات؟ ومن هم الأشخاص أو الجهات التي يقصدها؟ وأين وقعت هذه الأحداث؟
لأن الحديث عن توظيف المصحف والقسم الديني في استمالة الناخبين، إذا ثبتت الوقائع، يطرح شبهة خطيرة حول محاولة التأثير في حرية الاختيار، ويستوجب من الجهات المختصة التحقق من كل المعطيات المتاحة.
السياسة أم “سوق للمنافع”؟
لم يتوقف طلال عند ما اعتبره استغلالاً للدين أو الفقر، بل وجه سهام نقده إلى “سماسرة يبحثون عن موقع ومنفعة قبل أن يسألوا عن المشاريع”، وإلى أشخاص يرفعون شعارات المبادئ في العلن ثم يساومون عليها في الكواليس.
كما وصف واقعاً انتخابياً، بحسب روايته، أصبح فيه بعض الأشخاص أكثر اهتماماً بما يوجد في “جيوب السترة” من اهتمامهم بالمشروع السياسي أو بالمصداقية والكفاءة.
وإذا كانت هذه الشهادة تعكس جزءاً من الواقع الذي واجهه طلال، فإنها تطرح سؤالاً مؤرقاً: كيف يمكن إقناع المواطن بالتصويت إذا كان هو نفسه يتحول، في بعض الممارسات، إلى مجرد “ورقة انتخابية” أو “عملة نقدية”؟
فالانتخابات يفترض أن تكون تنافساً بين برامج ومشاريع ورؤى مختلفة لتدبير الشأن العام، لا سوقاً مفتوحة للوسطاء والسماسرة والوعود وتبادل المنافع.
الانسحاب لا يعفي من كشف الحقيقة
اختيار طلال الانسحاب من السباق بسبب ظروف عائلية يظل قراراً شخصياً من حقه اتخاذه. لكن الاتهامات والتوصيفات القوية التي تضمنتها تدوينته نقلت الموضوع من المجال الشخصي إلى المجال العام.
فمن يعلن أمام الرأي العام أنه صُدم بممارسات انتخابية تمس جوهر النزاهة، يصبح مطالباً، أخلاقياً وسياسياً، بتوضيح ما يملك من معطيات للجهات المختصة.
فالخروج من السباق حق، لكن الصمت عن وقائع خطيرة، إن كانت موثقة، يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار الممارسات نفسها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمطالبة طلال بكشف أسرار شخصية أو الزج بأسماء دون أدلة، بل بضرورة أن تتحول أي معلومات جدية إلى معطيات قابلة للتحقق، حتى لا تبقى العملية الانتخابية رهينة لتبادل الاتهامات والتدوينات الغاضبة.
عين الشق أمام اختبار نزاهة الانتخابات
تأتي تدوينة طلال في سياق سياسي حساس، تتزايد فيه التحركات الحزبية والاستقطابات والانتقالات بين التنظيمات، بالتزامن مع الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
ولهذا فإن ما كشف عنه، أو بالأحرى ما ادعى أنه عاينه، يجب أن يدفع إلى مزيد من اليقظة. فالرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تنظيم انتخابات في موعدها، بل في ضمان أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع حراً من ضغط المال، والوعود، والوسطاء، والاستغلال الديني أو الاجتماعي.
إن شهادة محمد طلال تطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل ما زالت السياسة مجالاً لخدمة المواطن، أم أن بعض من يمارسونها حولوا الانتخابات إلى بورصة للمواقع والمصالح؟
الجواب لن يكون في تدوينة فايسبوكية، ولا في بلاغ حزبي، بل في قدرة المؤسسات والسلطات المختصة والأحزاب نفسها على مواجهة كل الممارسات التي قد تسيء إلى حرية الناخب وإلى مصداقية العملية الانتخابية.
أما محمد طلال، فقد اختار الانسحاب، لكنه ترك وراءه تدوينة ثقيلة بالأسئلة، وأثقلها جميعاً: إذا كان ما شاهده صحيحاً، فهل سيكتفي بالمغادرة أم سيكشف للرأي العام والجهات المختصة ما يعرفه حتى لا تبقى الديمقراطية مجرد شعار، فيما تُدار الانتخابات في الكواليس بمنطق المال والوسطاء والولاءات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد