هبة زووم – الرباط
واصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تشريحه لتداعيات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، موجها انتقادات لاذعة إلى ما يعتبره محاولة لتقديم الصمت الرسمي الذي أعقب أحداث 30 و31 يوليوز باعتباره تكتيكا سياسيا وحسابا دبلوماسيا محكما.
اليحياوي، وفي تدوينة جديدة، توقف عند الخطاب الذي يروّج لفكرة أن الدول التي تتقن إدارة ملفاتها الدبلوماسية لا تكشف أوراقها بسرعة، ولا تعلن عن نواياها، وإنما تختار التوقيت والمكان المناسبين للرد، معتبرا أن هذا التفسير لا يصمد، في نظره، أمام حجم الواقعة وتداعياتها.
وسخر الباحث من محاولة قراءة خطبة عيد المولد النبوي باعتبارها رسالة دبلوماسية موجهة إلى إسبانيا، بعدما استحضر وزير الأوقاف سيرة عالمين صوفيين مغربيين من مواليد سبتة، ليصبح مجرد ذكر اسم المدينة، بحسب هذا التأويل، إشارة سياسية تحمل ما وراءها.
ويرى اليحياوي أن اللجوء إلى هذا النوع من الإشارات والتلميحات يكشف، في حد ذاته، عن مأزق في التواصل الرسمي مع الرأي العام، متسائلا عن جدوى أن يتحول حدث بهذا الحجم إلى لغز سياسي مطلوب من المواطنين تفكيك رموزه وتأويل إشاراته.
ويكتب الباحث، بلهجة ساخرة، أن المغاربة باتوا مضطرين إلى تعلم «لغة الصم والبكم»، ثم الغوص في تلميحات المسؤولين بحثا عن جواب حول قضية تمس صورة البلاد وأمنها ومستقبلها.
غير أن جوهر تدوينة اليحياوي لا يتعلق في الحقيقة بخطبة المولد، ولا بوزير الأوقاف، ولا حتى بالتكتيك الدبلوماسي المزعوم، بقدر ما يتمحور حول غياب جواب واضح عن السؤال المركزي: ماذا حدث بالضبط يومي 30 و31 يوليوز 2026؟
فبالنسبة إليه، لا يمكن اختزال ما وقع في رسائل دبلوماسية غير معلنة، أو في إشارات رمزية، أو في حسابات مرتبطة بتدبير العلاقات المغربية الإسبانية، لأن الأمر يتعلق بواقعة خلفت ضحايا وأثارت اهتماما دوليا واسعا، وأعادت إلى الواجهة سؤالا أكبر حول أسباب إقدام أعداد كبيرة من المغاربة على المخاطرة بحياتهم من أجل بلوغ مدينة محتلة.
ويضع اليحياوي بذلك الكرة في ملعب الدولة ومؤسساتها، مطالبا بكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات بدل ترك المجال مفتوحا للتأويلات والشائعات والروايات المتضاربة.
فالقول بأن الصمت كان “مدروسا”، وأن الدولة تنتظر التوقيت المناسب، لا يقدم، في نظره، جوابا عن عائلات تبحث عن مصير أبنائها، ولا يفسر كيف تحولت محاولة عبور جماعية إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية بهذا الحجم.
والأخطر، وفق المنطق الذي تطرحه التدوينة، أن استمرار الغموض قد يجعل الواقعة أكثر قابلية للتكرار، خصوصا إذا بقيت الأسباب العميقة التي دفعت هؤلاء الشباب والقاصرين إلى المخاطرة بحياتهم خارج دائرة النقاش العمومي.
ويختصر اليحياوي موقفه في مطلب واحد، واضح ومباشر: لا يريد المغاربة خطبا رمزية ولا رسائل مشفرة، وإنما يريدون معرفة ما الذي جرى ومن يتحمل مسؤوليته.
فإذا كانت الدولة تعتبر ما وقع مجرد حادث عابر، فإن التحقيق وكشف الحقائق كفيلان بوضع حد للتأويلات، أما إذا كانت الواقعة نتيجة أخطاء أو اختلالات أو قرارات سياسية وأمنية محددة، فإن المسؤولية تقتضي، بحسب هذا المنطق، تحديدها ومحاسبة من يتحملها.
وفي جميع الحالات، تبقى عبارة اليحياوي الأكثر دلالة هي أن «الشوهة» لن تمحوها الخطب ولا التلميحات، وإنما الحقيقة وحدها هي القادرة على وضع حد للأسئلة التي لا تزال معلقة حول واحدة من أكثر الوقائع إحراجا التي شهدها الشمال المغربي خلال السنوات الأخيرة.
تعليقات الزوار