هبة زووم – الرباط
سيرا على خطه النقدي الحاد في تشريح تداعيات أحداث سبتة المحتلة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى ملف الهجرة الجماعية، محذرا من التعامل مع ما وقع باعتباره حدثا عابرا يمكن أن يطويه النسيان بمجرد انحسار الضجة الإعلامية.
وفي تدوينة جديدة، اعتبر اليحياوي أن الواقعة، وإن بدأت تتراجع في واجهة النقاش العام، فإن احتمال تكرارها يظل قائما، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يؤكد أن “طوفان سبتة” قد يتكرر، لأن القابلية للهجرة ما تزال مرتفعة، ولم تختف الأسباب التي دفعت آلاف الأشخاص إلى التفكير في مغادرة البلاد والمغامرة بأرواحهم.
ويرى الباحث أن هذه القابلية لا تعني بالضرورة وجود تحركات ظاهرة أو دعوات جديدة، بل إنها، حسب تعبيره، “مضمرة فقط، مراقبة ولا تظهر إلى السطح”، في إشارة إلى حالة الاحتقان واليأس التي قد تبقى كامنة قبل أن تجد، في لحظة معينة، منفذا جديدا للانفجار.
ويقرأ اليحياوي ما حدث باعتباره نتيجة لتراكمات طويلة، وليس مجرد رد فعل مرتبط بظرف آني، قائلا إن “طوفان سبتة” كان “تتويجا لعقود من الظلم والغبن والفساد والريع”.
ومن هنا ينتقل الباحث إلى مساءلة النموذج التنموي الذي يتم الترويج له من خلال حجم الاستثمارات والمشاريع والبنيات التحتية، معتبرا أن النمو الاقتصادي لا يمكن اختزاله في الطرق والمنشآت والأرقام، إذا لم ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.
ويقول إن ما يتم تقديمه باعتباره نموا، خاصة من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، لم يتحول بالقدر الكافي إلى تنمية يشعر بها المواطن، سواء في المدن أو في القرى، بل إن الثروة، بحسب قراءته، ظلت مركزة في يد فئات محدودة تمتلك المال والنفوذ.
وفي انتقاد واضح لمنطق الدعم الاجتماعي، توقف اليحياوي عند الإعانات التي تصل إلى بعض الفئات الهشة، معتبرا أن حصول المواطن على مبلغ محدود لا يمكن أن يعوض غياب توزيع عادل للثروة أو يعالج الاختلالات العميقة التي تدفع نحو الفقر والهشاشة.
وبلغة لاذعة، وصف هذا المنطق بأنه منطق “إعانة المتضامن الكاذب، لا المساهم الشريك”، في إشارة إلى الفرق بين سياسة تمنح المواطن مساعدة ظرفية، وبين نموذج يجعل منه شريكا حقيقيا في الثروة والتنمية.
ويطرح اليحياوي سؤالا محوريا: متى يتحول النمو إلى تنمية؟ والجواب، بحسبه، يبدأ عندما يشعر المواطن بأن له نصيبا عادلا من ثروة بلده، ليس باعتباره منحة أو صدقة أو هبة من أحد، وإنما باعتباره حقا أصيلا من حقوقه.
فالوطن، في هذا التصور، لا يمكن أن يطلب من مواطنيه التشبث به فقط عبر الخطاب والشعارات، في وقت يشعر فيه جزء منهم بأنه مستبعد من الثروة والقرار وفرص الحياة الكريمة.
ويختزل الباحث خلاصته في فكرة واضحة: حين يشعر المواطن بأنه شريك حقيقي في وطنه، لا مجرد تابع أو “خادم مقنع”، فإن دوافع الرحيل ستتراجع من تلقاء نفسها.
أما الاكتفاء بإغلاق الطرق وتشديد المراقبة ومحاصرة محاولات العبور، فلن يكون، وفق منطق تدوينته، سوى معالجة للنتائج دون الاقتراب من الجذور.
وهنا يكمن جوهر التحذير الذي يوجهه اليحياوي بعد أحداث سبتة: يمكن منع الناس من الوصول إلى البحر، ويمكن مراقبة الحدود، لكن لا يمكن مراقبة اليأس إلى الأبد. فحين تبقى أسباب الرحيل قائمة، فإن الطريق إلى الخارج قد يتغير، لكن الرغبة في البحث عنه ستبقى كامنة في الداخل.
تعليقات الزوار