سبتة.. دفن 18 جثماناً وسط أكثر من 80 جثة بمشرحة مؤقتة بعد مأساة الهجرة الجماعية

هبة زووم – حسن لعشير
في مشهد يختزل حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها محاولات العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، استقبلت مقبرة المسلمين سيدي امبارك بمدينة سبتة، اليوم الجمعة 21 غشت 2026، جثامين 18 ضحية، بعدما قررت السلطات المحلية الشروع في دفن عدد من الجثث التي ظلت محفوظة داخل مرافق مؤقتة، في انتظار استكمال الإجراءات المرتبطة بالتعرف على هويات أصحابها.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع على أحداث العبور الجماعي إلى سبتة، برا وبحرا، والتي شهدت انتشال عدد كبير من الجثامين من المياه المحيطة بالمدينة، وسط استمرار الغموض بشأن العدد النهائي للضحايا وهوياتهم.
وبحسب ما أوردته الصحافة المحلية في سبتة، من بينها صحيفة “الفارو”، فإن أكثر من 80 جثة لا تزال محفوظة في مشرحة مؤقتة داخل المستشفى العسكري، بعدما تجاوز عدد الجثامين الطاقة الاستيعابية المعتادة لمرافق حفظ الموتى والتشريح بالمدينة.
وفي هذا اليوم الحزين، ووريت الجثامين الـ18 الثرى وفق الطقوس الإسلامية، بحضور من قاموا بالدعاء للضحايا وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، في انتظار أن تتواصل عمليات الدفن خلال الأيام المقبلة، وفق ما أوردته أيضاً صحيفة “إل بويبلو دي سبتة”.
ورغم بدء عمليات الدفن، فإن السلطات المحلية لم تكشف بشكل مفصل عن هويات الضحايا الذين جرى دفنهم أو جنسياتهم، الأمر الذي يزيد من معاناة الأسر التي لا تزال تبحث عن أبنائها وذويها الذين انقطعت أخبارهم منذ أحداث العبور الجماعي الأخيرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً مهماً من الضحايا يرجح أن يكونوا من المغاربة، غير أن غياب تحديد رسمي للهويات يجعل من الصعب تقديم حصيلة دقيقة أو الجزم بجنسيات جميع الجثامين الموجودة في المشرحة.
وتواجه فرق التحقيق والطب الشرعي صعوبات كبيرة في التعرف على عدد من الضحايا، خصوصاً في ظل غياب الوثائق الشخصية، فضلاً عن عدم تقدم بعض الأسر للمطالبة بجثامين ذويها، وهو ما دفع السلطات المحلية إلى الاستعانة بخبراء ومتخصصين قدموا من مدن إسبانية أخرى للمساعدة في عمليات التشريح وجمع المعطيات الضرورية لتحديد الهويات.
كما اضطرت سلطات سبتة المحتلة إلى تجهيز مرافق تبريد استثنائية داخل المستشفى العسكري، بعدما تجاوز عدد الجثامين القدرة الاستيعابية للمرافق المعتادة، في انتظار استكمال عمليات التعرف عليها واتخاذ الإجراءات القانونية والإنسانية اللازمة بشأنها.
وفي الضفة الأخرى من المأساة، لا تزال أسر مغربية تتقاطر على مختلف الجهات المعنية بحثاً عن معلومات بشأن أبنائها وذويها الذين اختفت أخبارهم منذ محاولة العبور الجماعي إلى سبتة.
أسر تعيش منذ أسابيع على وقع الانتظار والقلق، بين أمل العثور على أبنائها أحياء، وخشية أن تكون أسماؤهم ضمن قائمة الضحايا الذين لم يتم التعرف على هوياتهم بعد.
وحتى الآن، لم تُعلن السلطات المغربية والإسبانية عن لائحة مشتركة وشاملة تتضمن أسماء المفقودين، والجثامين التي تم التعرف عليها، وتلك التي لا تزال مجهولة الهوية، كما لم يتم الكشف عن حصيلة رسمية نهائية تفصل بدقة بين ضحايا أحداث العبور الجماعي والجثامين التي تم انتشالها في ظروف أخرى.
إن بدء عمليات دفن الجثامين لا يعني نهاية المأساة، بل يفتح سؤالاً أكبر حول مصير العشرات من المفقودين، وحول حق الأسر في معرفة الحقيقة ومصير أبنائها، والحصول على معلومات رسمية ودقيقة بشأن ظروف الوفاة وأماكن وجود الجثامين.
فخلف كل جثمان قصة أسرة، وأم تنتظر خبراً، وأب يبحث عن أثر، وعائلة تعيش بين الأمل والصدمة، بينما تظل الأرقام وحدها عاجزة عن اختزال حجم المأساة.
ومع استمرار عمليات الدفن، يبقى مطلب الكشف عن هويات الضحايا وتحديد مصير المفقودين وإخبار أسرهم بالحقيقة كاملة، أولوية إنسانية وحقوقية لا تحتمل التأجيل.
لقد تحولت أحداث العبور الجماعي إلى سبتة إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً خلال صيف 2026، وهي مأساة ستظل مفتوحة في الذاكرة، ليس فقط بسبب عدد الأرواح التي فقدت، وإنما أيضاً بسبب الأسئلة الكثيرة التي لا تزال تبحث عن أجوبة واضحة حول ما جرى ومصير من لم يعودوا إلى ذويهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد