هبة زووم – أحمد الفيلالي
يعود مجلس جماعة الدار البيضاء إلى قاعة التداول محملاً بجدول أعمال يضم 65 نقطة موزعة على جلستين، في دورة أكتوبر التي تبدو، بالنظر إلى طبيعة الملفات المدرجة، أبعد من مجرد محطة دورية للمصادقة على المقررات.
فبين الميزانية والعقار والنظافة والمرائب والمنشآت الرياضية والمحطة الطرقية، تتقاطع ملفات ترتبط بشكل مباشر بالمصلحة العامة مع أخرى تفرض على المنتخبين رفع سقف النقاش، وطلب مزيد من المعطيات والتفاصيل قبل الانتقال إلى التصويت.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية ليس عدد النقاط التي سيتداول فيها المجلس، وإنما كيفية التداول فيها: هل ستتحول الجلسات إلى مجرد محطة للمصادقة السريعة على مقررات جاهزة، أم ستكون مناسبة فعلية لفحص الملفات الثقيلة ومناقشة كلفتها وآثارها وانعكاساتها على سكان المدينة؟
دورة أكتوبر.. من جدول الأعمال إلى اختبار الرقابة
ومن المنتظر أن تنطلق الدورة يوم الأربعاء 7 أكتوبر، بعرض التقرير الإخباري لرئيسة المجلس، إلى جانب تقديم حصيلة تدبير المقاطعات خلال ستة أشهر، فضلاً عن اطلاع أعضاء المجلس على الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الجماعة منذ دورة ماي الماضية.
وهي ملفات يفترض ألا تعامل باعتبارها مجرد إجراءات شكلية، لأن حصيلة الجماعة لا تقاس فقط بعدد المشاريع والاتفاقيات، وإنما أيضاً بحجم النزاعات التي تدخل طرفاً فيها، وطبيعة القضايا التي تجر المؤسسة المنتخبة إلى المحاكم، ومدى انعكاس ذلك على المال العام وعلى فعالية التدبير.
النظافة.. عقود جديدة وأسئلة قديمة
ويعود قطاع النظافة بقوة إلى واجهة النقاش من خلال مشروع دفتر تحملات جديد لتدبير القطاع على مستوى مقاطعتي ابن امسيك ومولاي رشيد، إلى جانب ملحقات تعديلية مرتبطة بعقود التدبير المفوض في عين السبع – الحي المحمدي وسيدي البرنوصي.
غير أن المواطن البيضاوي لن يكون معنياً كثيراً بصياغة دفاتر التحملات والملحقات بقدر اهتمامه بسؤال أكثر بساطة ووضوحاً: هل تحسنت النظافة فعلاً؟
فكل تغيير في العقود أو دفاتر التحملات يجب أن يترجم إلى أثر ملموس في الشوارع والأحياء والأسواق، كما يفترض أن تكون المسؤوليات واضحة عندما تظهر الاختلالات، وأن يعرف الرأي العام كيف تتم مراقبة الشركات، وما الجزاءات المترتبة عن عدم احترام الالتزامات.
لذلك، فإن قطاع النظافة يحتاج إلى أكثر من لغة تقنية؛ يحتاج إلى مؤشرات ونتائج قابلة للقياس والمساءلة.
العقار.. 1864 متراً مربعاً بجوار “حياة ريجنسي”
ومن أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في جدول الأعمال، الملف العقاري المتعلق بعقار يوجد بشارع الطاهر العلوي، بجوار الوحدة الفندقية “حياة ريجنسي”، وتبلغ مساحته حوالي 1864 متراً مربعاً.
ويشمل الملف إخراج جزء من العقار من الملك العام الجماعي إلى الملك الخاص الجماعي، ثم دراسة تفويته بالتراضي من أجل دمجه في الرسوم العقارية التابعة للوحدة الفندقية، مع تحديد القيمة العقارية ودفتر التحملات.
وطبيعة هذا الملف وحدها تفرض نقاشاً دقيقاً وشفافاً، لأن الأمر يتعلق بعقار تابع للملك الجماعي، وليس بمجرد نقطة تقنية داخل جدول الأعمال.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة: كيف تم تحديد قيمة العقار؟ وعلى أي أساس؟ وما هي المعايير التي اعتمدتها لجنة التقييم؟ ولماذا تم اعتماد صيغة التفويت بالتراضي؟ وما هي المصلحة التي ستعود على جماعة الدار البيضاء من هذه العملية؟
وطرح مثل هذه الأسئلة لا يعني بالضرورة التشكيك في قانونية المسطرة، وإنما يعكس الحاجة إلى حماية المال والممتلكات الجماعية من خلال المعلومة الواضحة والوثيقة المتاحة والمناقشة العلنية.
فالملك الجماعي ليس مجرد أصل عقاري يمكن أن يتحول من خانة قانونية إلى أخرى دون نقاش سياسي ومؤسساتي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعملية تفويت لفائدة مشروع خاص.
ميزانية 2027.. الأرقام في مواجهة انتظارات السكان
أما الجلسة الثانية، المقررة يوم 22 أكتوبر، فتضع مشروع ميزانية جماعة الدار البيضاء لسنة 2027 في صدارة الاهتمام، إلى جانب تحويل اعتمادات لفائدة المقاطعات، وبرمجة وإلغاء اعتمادات مرتبطة بميزانية التجهيز، فضلاً عن مبالغ مسترجعة من شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للبيئة”.
لكن الميزانية لا تختزل في جداول مالية وأرقام محاسبية، وإنما يفترض أن تكون ترجمة عملية لأولويات المدينة، فيما السؤال الحقيقي بالنسبة إلى المواطن هو: ما الذي ستعنيه هذه الميزانية في حياته اليومية؟
ما هي حصة النظافة؟ وماذا عن الطرق والإنارة والحدائق والمرافق الرياضية والنقل ومواقف السيارات؟ وما نصيب الأحياء التي تعاني اختلالات مزمنة في التجهيز والخدمات؟
فالدار البيضاء، باعتبارها أكبر حواضر البلاد ومركزاً اقتصادياً رئيسياً، تحتاج إلى ميزانية تقاس بقدرتها على إنتاج أثر اجتماعي ومجالي واضح، وليس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة.
المرائب.. أزمة الركن تبحث عن نموذج جديد
ويطرح المجلس أيضاً طلب إبداء الاهتمام المتعلق بتهيئة وتدبير واستغلال المرائب الجماعية وأماكن ركن السيارات بمختلف أنحاء المدينة.
وهذا الملف يلامس واحدة من أكثر المشاكل اليومية إزعاجاً للبيضاويين، في ظل الندرة الكبيرة في أماكن الركن وارتفاع كلفة الوقوف في عدد من المناطق.
لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على هوية الجهة التي ستتولى التدبير، بل يجب أن يمتد إلى النموذج الاقتصادي والتعريفي والرقابي: كيف ستحدد الأسعار؟ كيف ستراقب الجماعة المستغلين؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل المرائب إلى مصدر إضافي لاستنزاف جيوب المواطنين؟ وأي نموذج جديد في هذا القطاع سيحتاج إلى شفافية حقيقية منذ مرحلة إبداء الاهتمام، إلى حين بدء الاستغلال الفعلي.
الرياضة.. كثرة المتدخلين ومسؤولية النتائج
وتحضر المنشآت الرياضية بدورها ضمن أشغال الدورة، عبر إعادة ترتيب عدد من الاتفاقيات المرتبطة بالمركبات والمنشآت الرياضية، ومن بينها العربي الزاولي والمركب الرياضي محمد الخامس، إلى جانب إسناد مهام مرتبطة بالتأهيل والتدبير والاستغلال والصيانة إلى شركة “Casa Région Sport”.
وهنا يطرح سؤال الحكامة نفسه بقوة: هل يساهم تعدد المتدخلين وشركات التنمية في تحسين الخدمة، أم يجعل المسؤولية موزعة إلى درجة يصعب معها تحديد الطرف المسؤول عن أي اختلال؟
فالمواطن لا يعنيه كثيراً اسم المؤسسة التي تدير المنشأة، وإنما النتيجة التي يراها على الأرض: ملعب مؤهل، صيانة منتظمة، مرفق رياضي محترم، وميزانية واضحة يمكن تتبعها.
أولاد زيان.. إعادة ترتيب تدبير مرفق حساس
ومن الملفات التي ستكون بدورها تحت الأنظار، مشروع انتداب شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء محطات المسافرين” لتدبير المحطة الطرقية أولاد زيان، وهي واحدة من أكثر المنشآت ارتباطاً بحياة المسافرين وبصورة العاصمة الاقتصادية على مستوى الاستقبال والتنظيم والخدمات.
وبالتالي، فإن إعادة النظر في طريقة تدبير هذا المرفق يفترض ألا تقاس فقط بمسألة الجهة المسؤولة عن التسيير، بل بما إذا كان النموذج الجديد سيقدم قيمة مضافة حقيقية في النظافة والتنظيم وجودة الخدمات وظروف استقبال المسافرين.
65 نقطة.. لكن الأسئلة أكثر
وفي المحصلة، فإن 65 نقطة ليست مجرد رقم يعكس كثافة جدول الأعمال، بل 65 مناسبة لممارسة الرقابة والتدقيق والنقاش وربط القرار بالمصلحة العامة.
مجلس جماعة الدار البيضاء لا يحتاج فقط إلى سرعة المصادقة، وإنما إلى منتخبين يطالبون بالوثائق، ويناقشون الأرقام، ويسألون عن الكلفة والجدوى، ويبحثون عن أثر القرارات على أحياء المدينة وسكانها.
والأهم أن الملفات العقارية والمالية، على وجه الخصوص، تحتاج إلى شفافية مضاعفة، لأن حماية المال العام لا تقوم على النوايا وحدها، وإنما على الوثيقة والمعلومة والرقابة والمساءلة.
فالدار البيضاء لا تحتاج إلى دورة تنتهي بمحاضر ومقررات فقط، وإنما إلى دورة يشعر فيها المواطن بأن ممثليه يدافعون عن حقه في معرفة أين تذهب موارد المدينة، وكيف تدبر ممتلكاتها، ومن يستفيد من مشاريعها، وما الذي تغير فعلاً في حياته اليومية.
ومن هنا سيكون الاختبار الحقيقي لدورة أكتوبر: هل ستكون 65 نقطة للتصويت، أم 65 ملفاً للمساءلة باسم سكان مدينة تريد أن تعرف كيف تُدار عاصمتها الاقتصادية؟
تعليقات الزوار