هبة زووم – الدار البيضاء
في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار إصلاح الجامعة المغربية وتحديث حكامتها وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تطرح التطورات المتداولة داخل جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أسئلة مقلقة حول الطريقة التي يمكن أن يتم بها تنزيل الهيكلة الجديدة للمؤسسة.
فالجامعة، التي يفترض أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة والكفاءات وترسيخ قيم الاستحقاق، تجد نفسها اليوم أمام جدل يتعلق بمستقبل أحد أهم المناصب الإدارية والمالية المستحدثة، وهو منصب المدير المالي والإداري، في ظل حديث عن إمكانية انتقال مسؤول إداري حالي إلى هذا الموقع الاستراتيجي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمنهج: هل ستشكل إعادة هيكلة الجامعة فرصة حقيقية لفتح المنافسة أمام الكفاءات، أم مجرد مناسبة لتغيير أسماء المناصب مع الإبقاء على المنطق نفسه؟
من الكاتب العام إلى المدير المالي والإداري.. تغيير في التسمية أم في فلسفة التدبير؟
مع الإصلاحات التشريعية والتنظيمية الجديدة، أصبح منصب المدير المالي والإداري يحتل موقعاً محورياً داخل بنية الجامعة، بالنظر إلى ارتباطه بتدبير الموارد المالية والبشرية والصفقات والعقود والخدمات المختلفة.
ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن يخضع اختيار شاغل هذا المنصب لمساطر واضحة ومفتوحة، تضمن تكافؤ الفرص وتسمح بمنافسة حقيقية بين الكفاءات، بعيداً عن أي انطباع مسبق بأن المباراة قد تكون مجرد محطة شكلية لتثبيت اختيار تم الاتفاق عليه سلفاً.
فالمشكل الحقيقي لا يكمن في حق أي مسؤول تتوفر فيه الشروط القانونية في الترشح، وإنما في ضرورة ضمان أن تكون القاعدة واحدة للجميع، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل مسؤولية تدبير مؤسسة جامعية ضخمة.
أما إذا أصبح الإصلاح مجرد عملية لإعادة ترتيب الكراسي، فإن السؤال يصبح مشروعاً: أين هي القطيعة مع الممارسات السابقة التي يفترض أن الإصلاح جاء لتجاوزها؟
الجامعة تحتاج إلى دماء جديدة لا إلى تدوير المواقع
الجامعة المغربية اليوم في حاجة إلى حكامة جديدة، وإلى مسؤولين قادرين على التعامل مع تحديات البحث العلمي والتكوين والرقمنة والتدبير المالي، وليس فقط إلى إعادة توزيع المناصب داخل دائرة إدارية مغلقة.
فمن غير المقبول، من حيث منطق الحكامة، أن تتحول المناصب الاستراتيجية إلى مجال لإعادة تدوير المسؤولين أنفسهم دون فتح المجال أمام كفاءات أخرى قادرة على تقديم تصورات جديدة.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة التعليم العالي في ضمان أن تكون مساطر التعيين والانتقاء شفافة فعلاً، لا شكلاً فقط، ذلك أن أي غموض يحيط بعملية الاختيار سيؤدي حتماً إلى طرح علامات استفهام حول احترام مبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص.
أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
تزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى ما أثير في السنوات الماضية بشأن اختلالات تدبير عدد من المؤسسات الجامعية، وما سجلته تقارير مؤسسات الرقابة بشأن ضرورة تطوير الحكامة وترشيد التدبير المالي والإداري داخل المرافق العمومية.
ومن هنا، فإن أي تعيين جديد في منصب مالي وإداري حساس ينبغي أن يمر، قبل كل شيء، عبر ميزان صارم يقوم على تقييم المسار والكفاءة والخبرة، مع احترام كامل للمساطر القانونية.
فالدستور لا يجعل المسؤولية امتيازاً دائماً، بل يربطها بالمحاسبة. كما أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا بقيت المؤسسات تعيد إنتاج الممارسات نفسها بأسماء ومناصب جديدة.
الوزارة أمام اختبار الشفافية
إن الجدل الدائر حول مستقبل منصب المدير المالي والإداري بجامعة الحسن الثاني يضع وزارة التعليم العالي أمام اختبار حقيقي.
فإما أن يتم فتح مسطرة تنافسية واضحة، تعلن شروطها للرأي العام وتضمن المساواة بين جميع المرشحين، وتخضع نتائجها لمعايير موضوعية قابلة للتدقيق؛ وإما أن يستمر الغموض، بما سيغذي الشكوك حول طريقة تدبير أحد أهم المناصب داخل أكبر جامعة بالمغرب.
المطلوب اليوم ليس إصدار الأحكام المسبقة على الأشخاص، ولا منع أي مسؤول من ممارسة حقه القانوني في الترشح، بل شيء واحد فقط: تكافؤ الفرص، الشفافية، وربط الاختيار بالكفاءة، فالجامعة ليست ضيعة إدارية، والمناصب ليست امتداداً شخصياً لمسارات المسؤولين.
وإذا كان القانون الجديد قد جاء لتحديث حكامة الجامعة، فإن أول اختبار حقيقي له سيكون في طريقة اختيار المسؤولين الذين سيتولون تنزيله.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنتصر جامعة الحسن الثاني لمنطق المباراة الحقيقية والاستحقاق؟ أم أننا سنكون أمام إعادة تدوير للمواقع تحت عنوان الإصلاح؟
تعليقات الزوار