خنيفرة.. هل فشل العامل أهوران في حماية المناخ الانتخابي من منطق القبيلة والمال؟
هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لا شيء، في المشهد الذي بدأت ملامحه تتشكل بخنيفرة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يوحي بأن المدينة تتجه نحو انتخابات سياسية حقيقية تتنافس فيها البرامج والأفكار والكفاءات. على العكس من ذلك، يزداد القلق من انزلاق النقاش الانتخابي نحو منطق الولاءات الضيقة، والحسابات المناطقية، وحضور الأعيان، وسط حديث متداول عن تأثير المال في صناعة التوازنات الانتخابية.
وإذا كانت مسؤولية المرشحين والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام قائمة في الارتقاء بالنقاش العمومي، فإن الإدارة الترابية، باعتبارها الجهة المكلفة، في حدود اختصاصاتها، بالسهر على احترام القانون وضمان سلامة المناخ العام، تجد نفسها بدورها أمام امتحان حقيقي.
وهنا يبرز اسم عامل إقليم خنيفرة، أهوران، باعتباره المسؤول الترابي الأول بالإقليم، أمام سؤال لا يمكن القفز عليه: هل تم اتخاذ ما يكفي من إجراءات لضمان مناخ انتخابي قائم على تكافؤ الفرص والحياد واحترام القانون؟
من السياسة إلى منطق الولاءات
خنيفرة ليست مجرد دائرة انتخابية تبحث الأحزاب فيها عن المقاعد. إنها مدينة لها تاريخ سياسي ونضالي، واحتضنت على امتداد عقود نخبا جمعوية وثقافية وسياسية كان يفترض أن تشكل رافعة لنقاش انتخابي يليق برهانات المرحلة.
لكن ما يثير القلق هو أن جزءاً من المشهد المتداول بدأ يبتعد عن جوهر السياسة. بدل أن يكون السؤال: من يملك برنامجاً حقيقياً لخدمة الإقليم؟ يصبح النقاش في بعض الأحيان مرتبطاً بمن ينتمي إلى هذه المنطقة أو تلك، ومن يملك شبكة أوسع من العلاقات والنفوذ.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: عندما تتراجع الكفاءة أمام الولاء، والبرنامج أمام الحسابات الضيقة، يصبح البرلمان مجرد امتداد لخريطة النفوذ المحلي، لا مؤسسة يفترض أن تمثل المواطنين وتدافع عن مصالحهم.
المال الانتخابي.. أخطر ما يهدد ثقة المواطن
الأخطر من ذلك كله هو ما يثار بشأن الحضور المتزايد للمال في الحياة الانتخابية. وهي معطيات، حين لا تكون مدعومة بأدلة أو أحكام قضائية، لا يجوز تقديمها كحقائق ثابتة، لكنها تظل مؤشراً مقلقاً عندما تتحول إلى حديث متكرر في أوساط المواطنين والفاعلين.
فالسلطات المختصة مطالبة، كلما توفرت معطيات جدية أو شكايات قانونية، بالتفاعل معها وفق المساطر المعمول بها، لأن ترك الشكوك تتراكم دون توضيح أو معالجة لا يخدم ثقة المواطن في العملية الانتخابية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر المواطن بأن الانتخابات حُسمت قبل أن تبدأ، ليس بالأفكار ولا بالبرامج، وإنما بحجم الإنفاق وشبكات النفوذ.
فهل تملك الإدارة الترابية بخنيفرة خطة استباقية لمواجهة أي إخلال محتمل بقواعد المنافسة؟ أم أن التدخل لن يأتي إلا بعد وقوع المحظور؟
إعلام يحول السياسة إلى فرجة
ولا تتحمل الإدارة وحدها مسؤولية هذا المشهد. فجزء من الإعلام المحلي يتحمل بدوره مسؤولية في الطريقة التي يقدم بها الاستحقاق الانتخابي.
فعوض مساءلة المرشحين حول البطالة، وفك العزلة، والصحة، والتعليم، والاستثمار، ومستقبل الشباب، ينصرف جزء من التغطية إلى تضخيم تحركات بعض الأشخاص، ومتابعة التفاصيل الهامشية، وكأن الانتخابات مباراة في استعراض النفوذ أو «جوطية» سياسية مفتوحة.
وهكذا تتحول السياسة من نقاش حول المستقبل إلى فرجة، ويتحول المرشح من صاحب مشروع إلى مجرد اسم يتكرر في العناوين والمنشورات.
والنتيجة هي إفراغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي، وتقديم صورة مشوهة عن مدينة لا تستحق أن تختزل في هذا المستوى من الخطاب.
أين الكفاءات؟
المفارقة المؤلمة أن خنيفرة تزخر بالكفاءات والأطر وأبناء الطبقة الوسطى والمثقفين، لكن حضور هذه الفئات في السباق الانتخابي يبدو، بحسب المتابعين، أقل من المطلوب.
وهذا يطرح سؤالاً أكبر: لماذا يتردد أصحاب الكفاءة في دخول السياسة، بينما يجد أصحاب النفوذ والقدرة على تعبئة الشبكات المحلية الطريق مفتوحاً أمامهم؟
الرهان لا ينبغي أن يكون فقط على من يستطيع الفوز بالمقعد، بل على نوعية المنتخب الذي سيحمله إلى البرلمان، فالمواطن لا يحتاج إلى نائب يظهر فقط خلال الحملة الانتخابية، ثم يختفي بعد إعلان النتائج. يحتاج إلى ممثل يطرح الأسئلة، ويراقب الحكومة، ويترافع عن مشاكل الإقليم، ويملك الحد الأدنى من الكفاءة السياسية والتشريعية للقيام بهذه المهمة.
أما أن تنتهي الانتخابات إلى انتخاب ممثلين لا يسمع لهم صوت، ولا يسجل لهم أثر تشريعي أو رقابي، فإن الخاسر الحقيقي سيكون خنيفرة قبل أي حزب سياسي.
أهوران أمام اختبار المسؤولية
عامل الإقليم ليس مرشحاً في الانتخابات، ولا مطلوباً منه التدخل في اختيارات الناخبين، فحياد الإدارة الترابية شرط أساسي لأي عملية انتخابية سليمة.
لكن من واجبه، في إطار الصلاحيات المخولة له وللإدارة الترابية، أن يضمن احترام القانون، وتكافؤ الفرص، والتصدي لكل ما يمكن أن يسيء إلى شفافية الاستحقاق متى توفرت المعطيات القانونية التي تستوجب التدخل.
ولهذا فإن الرهان على العامل أهوران لا يتعلق بصناعة النتائج أو توجيه الناخبين، بل بحماية قواعد اللعبة من أي انزلاقات محتملة.
فهل تنجح خنيفرة في إنتاج استحقاق انتخابي يقطع مع منطق الولاءات الضيقة؟ أم أننا سنجد أنفسنا، مرة أخرى، أمام انتخابات تُستهلك فيها الشعارات قبل الاقتراع، ثم يبدأ المواطن بعد النتائج في البحث عن نائبه؟
صناديق اقتراع أم إعادة إنتاج للفشل؟
خنيفرة تقف اليوم أمام مفترق طرق. إما أن تستعيد السياسة معناها الحقيقي، من خلال التنافس حول البرامج والكفاءات، وإما أن يستمر منطق النفوذ والاصطفافات الضيقة في إنتاج نفس الوجوه ونفس الأعطاب.
المسؤولية جماعية، نعم، لكنها ليست موزعة بطريقة تجعل الجميع يهرب من المسؤولية. فالأحزاب مسؤولة عن اختياراتها، والإعلام مسؤول عن خطابه، والمجتمع المدني مسؤول عن يقظته، والمواطن مسؤول عن صوته، والإدارة الترابية مسؤولة، في حدود القانون، عن حماية شروط المنافسة السليمة، أما استمرار الصمت أمام الاختلالات والانطباعات السلبية التي ترافق المشهد، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة.
خنيفرة لا تحتاج إلى انتخابات تفرز مجرد فائزين، بل إلى انتخابات تفرز ممثلين حقيقيين، والسؤال الذي سيبقى مطروحاً إلى ما بعد فتح صناديق الاقتراع هو: هل كان عامل الإقليم، والأحزاب، والنخب، والإعلام، في مستوى المسؤولية؟ أم أن الجميع سيساهم، مرة أخرى، في إنتاج برلمان لا يشبه طموحات خنيفرة ولا يرقى إلى تاريخها؟