منع التقرير أم منع المحاسبة؟ استقالة خديجة الفلاكي تحرج استقلاليي أكادير

هبة زووم – أكادير
لم تعد الاستقالات المتتالية من الأحزاب السياسية مجرد أخبار عابرة تُطوى ببلاغ مقتضب أو تدوينة غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، فحين تختار مسؤولة حزبية الخروج إلى العلن لتقول إنها استقالت لأنها مُنعت من تقديم حصيلة عملها، فإن الأمر يتجاوز خلافاً تنظيمياً عادياً، ليطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: أي معنى للديمقراطية داخل الأحزاب إذا كان المنجز نفسه لا يُسمح له بعرض ما أنجزه؟
هذا هو جوهر الرسالة التي وجهتها خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي، وهي تستعرض أسباب مغادرتها حزب الاستقلال، مؤكدة أن قرارها لم يكن، بحسب روايتها، وليد غضب عابر أو نتيجة فقدان منصب، بل ثمرة تراكمات انتهت بمنعها من تقديم تقرير أدبي وتنظيمي وانتدابي حول مرحلة تولت خلالها مسؤولية كتابة فرع أكادير المحيط.
الفلاكي وضعت النقاش في صلب معادلة سياسية شديدة الوضوح: تكليف، ثم عمل، ثم حصيلة، ثم تقرير، ثم تقييم ومحاسبة، وهي معادلة تبدو بديهية في أي تنظيم سياسي يدعي الاحتكام إلى المؤسسات والديمقراطية، لكنها تصبح محل سؤال عندما يتم، وفق روايتها، تعطيل آخر حلقاتها، أي حق المسؤول في عرض حصيلته أمام المناضلين.
وتقول القيادية السابقة إنها ساهمت، خلال فترة مسؤوليتها، في إعادة بناء التنظيم وتوسيع حضوره، وتأسيس فروع للمنظمة النسائية، إلى جانب تحقيق نتائج انتخابية اعتبرتها ثمرة عمل تنظيمي ميداني، غير أن النقطة الأكثر حساسية في روايتها ليست حجم هذه الحصيلة في حد ذاته، بل ما تعتبره منعاً للحصيلة من أن تُناقش أصلاً.
وهنا يصبح السؤال محرجاً للحزب: إذا كانت الحصيلة إيجابية، فمن حق المناضلين الاطلاع عليها ومناقشتها. وإذا كانت سلبية أو ناقصة، فمن حقهم كذلك محاسبة أصحابها. أما حجب التقرير ومنع عرضه، إذا صحت المعطيات التي قدمتها المستقيلة، فلا يخدم سوى ثقافة الغموض ويترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات.
الأخطر أن الفلاكي تتحدث عن استمرار ما وصفته بـ”البلوكاج التنظيمي” بأكادير إلى حدود الساعة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول طريقة تدبير الخلافات الداخلية داخل حزب يفترض أنه مقبل على استحقاقات انتخابية تتطلب أقصى درجات التعبئة والوحدة والوضوح.
فالأحزاب لا تُضعفها الانتقادات بقدر ما يضعفها الهروب من النقاش. ولا تخسر المناضلين فقط عندما يختلفون مع القيادة، بل عندما يشعرون بأن المؤسسات التنظيمية لم تعد فضاءً للتقييم والمحاسبة، وإنما مجرد قاعات تُفتح لبعض الأصوات وتُغلق في وجه أخرى.
لقد اختارت خديجة الفلاكي أن تجعل من استقالتها رسالة سياسية عنوانها: “حين يُمنع المنجز من أن يتكلم”. وهي عبارة تختصر أزمة أكبر من شخص ومنصب وفرع حزبي. إنها أزمة مرتبطة بموقع الكفاءة والحصيلة داخل العمل السياسي، وبمدى قدرة الأحزاب على الاحتكام إلى الإنجاز بدل موازين النفوذ والحسابات التنظيمية الضيقة.
ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل سيتعامل حزب الاستقلال مع هذه الاستقالة باعتبارها مجرد مغادرة فردية، أم سيفتح نقاشاً حقيقياً حول ما أثير بشأن تعطيل العمل التنظيمي ومنع تقديم الحصيلة؟
لأن التاريخ السياسي، كما قالت المستقيلة، لا يحتفظ فقط بمن جلسوا في المواقع، بل أيضاً بمن اشتغلوا، ومن مُنعوا من الكلام، ومن اختاروا المغادرة حين شعروا أن الصمت أصبح شرطاً للبقاء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد