من يدير مراكش؟ سؤال يفرض نفسه وسط صمت الوالي الخطيب لهبيل وارتباك المشهد
هبة زووم – علال الصحراوي
بعيداً عن لغة المجاملات، وقريباً من منطق المسؤولية والمحاسبة، يبدو أن مدينة مراكش تعيش على وقع مشهد سياسي وإداري مرتبك، تتداخل فيه الصراعات والتجاذبات، بينما يخيّم صمت ثقيل على الجهات التي يفترض أن تكون في مقدمة الصفوف لحماية صورة المدينة وضمان استقرار مؤسساتها.
لسنا هنا أمام خلاف سياسي عابر، ولا مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل أمام مشهد أصبح يثير الاستغراب والتساؤل حول مستوى الحكامة والتواصل والقدرة على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى مادة مفتوحة للتأويلات والإشاعات.
والأخطر من كل ذلك هو أن المواطن يجد نفسه، مرة أخرى، أمام صمت رسمي طويل، وكأن ما يجري لا يعني مدينة بحجم مراكش، ولا يهم مؤسساتها، ولا يؤثر في صورتها أمام الرأي العام.
صمت الوالي.. حياد أم غياب عن المشهد؟
لا أحد يطالب والي جهة مراكش آسفي، خطيب الهبيل، بالدخول طرفاً في الصراعات السياسية أو الانحياز إلى هذا المعسكر أو ذاك، فالإدارة الترابية مطالبة بالحياد، وهذا أمر لا نقاش فيه، لكن الحياد شيء، وترك المشهد ينزلق إلى حالة من الغموض والفوضى شيء آخر.
فحين تتكاثر الأسئلة، وتتضارب الروايات، ويتحول الحديث عن الشأن العام إلى مادة للتسريبات والتأويلات، يصبح الصمت في حد ذاته موقفاً يحتاج إلى تفسير. لأن المسؤول الذي يتولى تدبير جهة ومدينة بحجم مراكش لا يمكن أن يظل مجرد متفرج على مشهد مرتبك، بينما ينتظر المواطنون توضيحات تطمئنهم وتضع حداً للضبابية.
فأين التواصل؟ وأين الاستباق؟ وأين الحضور المؤسساتي الذي يفترض أن يمنع تضخم الأزمات بدل انتظار انفجارها؟
مدينة السبعة رجال لا تستحق هذا العبث
مراكش ليست قرية معزولة عن العالم، وليست مجرد مدينة عادية يمكن أن تمر فيها الأحداث دون أن يلتفت إليها أحد. نحن أمام عاصمة سياحية عالمية، ومدينة تستعد لرهانات وطنية ودولية كبرى، ما يجعل أي اختلال في تدبير المشهد المحلي أكثر من مجرد قضية داخلية عابرة.
ومع ذلك، يبدو أن لغة الصمت أصبحت أكثر حضوراً من لغة الوضوح، فكلما اشتدت الأسئلة، غابت الأجوبة، وكلما ارتفع منسوب الجدل، اختبأت المؤسسات خلف جدران الصمت، والنتيجة هي أن المواطن يصبح مضطراً إلى البحث عن الحقيقة وسط الروايات المتناقضة، بينما يفترض أن يجدها لدى المؤسسات الرسمية المعنية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة عمومية ليس الانتقاد، بل فقدان القدرة على التواصل مع محيطها وترك المجال فارغاً أمام الإشاعة والتأويل.
السلطة ليست لقباً.. بل مسؤولية
المسؤولية الترابية لا تختزل في حضور حفلات التنصيب والاجتماعات الرسمية وترديد عبارات القرب والإنصات وخدمة المواطن. المسؤولية الحقيقية تظهر عندما يصبح المشهد معقداً، وعندما ترتفع الأسئلة، وعندما تحتاج المدينة إلى من يتحمل مسؤولية إعادة الأمور إلى نصابها.
فمراكش اليوم تحتاج إلى وضوح، لا إلى مزيد من الغموض، وتحتاج إلى مؤسسات قادرة على التواصل، لا إلى صمت يترك الجميع يسبح في بحر التأويلات.
كما تحتاج إلى إدارة ترابية تستبق الأزمات وتتحرك في إطار اختصاصاتها، بدل أن تتحول إلى مجرد مراقب ينتظر ما ستؤول إليه الأحداث.
الأسئلة لا تختفي بالصمت
قد يعتقد البعض أن تجاهل الأسئلة كفيل بإنهاء النقاش، لكن الواقع يؤكد العكس تماماً. فكل سؤال لا يجد جواباً واضحاً يولد عشرات الأسئلة الأخرى، وكل غموض لا يتم توضيحه يصبح أرضاً خصبة للشائعات، ولهذا، فإن مراكش تحتاج اليوم إلى استعادة منطق المسؤولية المؤسساتية.
فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يملك حق تحويل المؤسسات إلى مناطق مغلقة أمام الرأي العام. ومن يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام مطالب، قبل أي شيء آخر، بتقديم الأجوبة عندما تصبح الأسئلة مشروعة.
وفي النهاية، فإن القضية ليست شخصية، ولا تتعلق بتصفية حسابات مع هذا المسؤول أو ذاك، بل تتعلق بمدينة تستحق أكثر من الصمت، وبمواطنين من حقهم أن يعرفوا كيف تدبر مدينتهم، ومن المسؤول عن معالجة الاختلالات التي تظهر في المشهد العام.
فمراكش، مدينة السبعة رجال، لا تحتاج إلى سبع عجائب جديدة من الارتباك والصمت، بل تحتاج إلى سبعة معاني واضحة: الحكامة، المسؤولية، التواصل، الشفافية، الاستباق، المحاسبة، واحترام ذكاء المواطنين.