هبة زووم – علال الصحراوي
إذا كانت المدن تقاس بجودة تدبيرها، فإن مراكش، المدينة التي تعد إحدى أهم الواجهات السياحية والاقتصادية للمملكة، تجد نفسها اليوم في قلب نقاش متصاعد حول حصيلة التدبير الجماعي، في ظل استمرار اختلالات يعتبرها عدد من المتابعين دليلاً على أن الصراع السياسي طغى على أولويات التنمية وخدمة المواطنين.
فما تعيشه المدينة لا يختزل في تنافس انتخابي عادي، بل يعكس، وفق العديد من المهتمين بالشأن المحلي، أزمة في الثقافة السياسية، حيث تتحول المجالس المنتخبة، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات لتقاسم النفوذ وترتيب التوازنات، بدل أن تكون مؤسسات لإنتاج الحلول والاستجابة لانتظارات الساكنة.
وبالعودة إلى انتخابات سنة 2021، فقد تمكن حزب العدالة والتنمية من الحفاظ على حضور معتبر داخل عدد من الدوائر، مستنداً إلى ما اعتبره أنصاره حصيلة تدبيرية إيجابية، رغم الانتقادات التي طالت بعض أوجه التجربة، ومع انتهاء تلك المرحلة، انتقلت رئاسة المجلس الجماعي إلى فاطمة الزهراء المنصوري، التي قادت تحالفاً سياسياً واسعاً لتشكيل الأغلبية المسيرة.
ومنذ ذلك الحين، يطرح الرأي العام المحلي سؤالاً جوهرياً: هل نجح هذا التحالف في تقديم نموذج جديد في التدبير، أم أن المدينة لا تزال تدور في الحلقة نفسها، مع تغيير الأسماء فقط؟
ويرى متابعون أن المواطن المراكشي لم يعد يقيس نجاح المنتخبين بكثرة التصريحات أو الحضور الإعلامي، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من مشاريع وخدمات وجودة في المرافق العمومية. فالأحياء التي ما تزال تعاني من اختلالات في البنية التحتية، ومشاكل النظافة، والاختناق المروري، وتفاوت الخدمات بين الأحياء، تجعل شريحة واسعة من السكان تتساءل عن مدى انعكاس الوعود الانتخابية على واقع المدينة.
ويؤكد مهتمون بالشأن المحلي أن الإشكال لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بمنهجية التدبير، إذ إن الاعتماد على التحالفات الظرفية وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على التخطيط الاستراتيجي، يجعل الجماعة عاجزة عن مواكبة حجم التحولات التي تعرفها مراكش، والتي تتطلب رؤية تنموية متكاملة وإدارة ناجعة.
كما يلاحظ متابعون أن النقاش السياسي غالباً ما ينشغل بتبادل الاتهامات واستحضار تجارب الماضي، في حين تبقى الملفات الأساسية، المرتبطة بتحسين جودة العيش، وتطوير النقل، وتأهيل الأحياء، وتعزيز الاستثمار، في حاجة إلى قرارات عملية أكثر من حاجتها إلى الخطابات.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في قدرة الأحزاب على تقديم نخب جديدة وبرامج واقعية، بدل إعادة تدوير الوجوه نفسها التي ظلت تتناوب على تدبير الشأن المحلي لسنوات، دون أن تتمكن من تحقيق القطيعة المنتظرة مع أساليب التدبير التقليدية.
ويبقى الرهان الأكبر بالنسبة لساكنة مراكش هو أن تتحول الجماعة إلى مؤسسة تشتغل بمنطق الخدمة العمومية، لا بمنطق اقتسام المواقع والنفوذ، فالمدينة، بما تختزنه من مؤهلات تاريخية وسياحية واقتصادية، تحتاج إلى مسؤولين يجعلون المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن المنصب تكليف لخدمة المواطنين، لا وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية أو الشخصية.
وفي النهاية، فإن الحكم الحقيقي لا تصنعه الشعارات ولا التحالفات، وإنما تصنعه المنجزات الملموسة التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، أما إذا ظل تدبير المدينة رهين الصراعات السياسية وتغليب الحسابات الحزبية، فإن الخاسر الأكبر سيكون مراكش وساكنتها، لأن المدينة لا تحتاج إلى معارك حول الكراسي، بل إلى إرادة حقيقية تجعل التنمية أولوية، وتؤكد أن المسؤولية ليست غنيمة، بل أمانة ومحاسبة.
تعليقات الزوار