هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى التفاعل مع تداعيات ما بات يعرف بـ”طوفان سبتة”، وهذه المرة من بوابة ملف الضحايا الذين فقدوا حياتهم خلال محاولة العبور، وما أثاره مصير جثامين مجهولة الهوية من أسئلة مؤلمة حول مسؤولية الدولة في تحديد هوية مواطنيها وصون كرامتهم، حتى بعد الموت.
وفي تدوينة قاسية، توقف اليحياوي عند ما وصفه بدفن نحو 80 جثة مجهولة الهوية في إسبانيا، من ضحايا أحداث سبتة، مشيرا إلى أن 60 منها دُفنت في مقابر المسلمين، بينما وُوريت جثامين أخرى في مقابر مختلفة، قبل أن تتحول القبور، بحسب تدوينته، إلى مجرد أرقام بدل أسماء وهوية وحكاية.
ويرى اليحياوي أن الجانب الأكثر إيلاما في هذه القضية لا يتعلق فقط بالموت في البحر، بل بما يحدث بعده، حين يدفن الضحايا بعيدا عن أسرهم، دون أن تتمكن عائلاتهم من التعرف على مصيرهم أو زيارة قبورهم.
وبحسب ما أورده الباحث، فإن السلطات الإسبانية اشتكت من صعوبات في التعاون من أجل تحديد هوية عدد من الجثامين، وهي النقطة التي استثمرها اليحياوي لتوجيه نقد شديد إلى طريقة تعامل السلطات المغربية مع الملف.
وقال، بنبرة حادة، إن هؤلاء الضحايا تحولوا إلى “أرقام لا أسماء”، ودفنوا كـ”غرباء في أرض غريبة، وكأن لا بلد لهم ولا أهل”.
ولا يكتفي اليحياوي بانتقاد تدبير الملف، بل ينتقل إلى مقارنة صادمة بين طريقة التعامل مع جثامين الضحايا وبين ما تقوم به إسرائيل لاسترجاع رفات مواطنيها وجنودها، مستحضرا عمليات البحث الطويلة التي تخوضها السلطات والمؤسسات الإسرائيلية لاستعادة الرفات وإعادتها إلى ذويها.
ومن خلال هذه المقارنة، لا يبدو أن الباحث يسعى إلى الحديث عن إسرائيل بقدر ما يريد، بحسب سياق تدوينته، طرح سؤال حول مدى ارتباط الدول بمواطنيها، ومسؤوليتها تجاههم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا.
فالدولة، في نظر هذا الطرح، لا تقاس فقط بالمشاريع الكبرى أو الخطابات السياسية، بل أيضا بطريقة تعاملها مع أكثر لحظات مواطنيها هشاشة، من لحظة الحاجة إلى الحماية والرعاية، إلى لحظة الموت وحق الأسرة في معرفة مصير أبنائها واسترجاع جثامينهم ودفنهم بكرامة.
ويبلغ اليحياوي ذروة نقده حين يربط بين هذا المشهد وبين مفهوم الانتماء الوطني، متسائلا، في صيغة شديدة القسوة، عن الفارق بين دولة تلاحق رفات أحد أبنائها لعقود طويلة، ودولة يجد بعض مواطنيها أنفسهم مدفونين بأرقام مجهولة في مقابر خارج الحدود.
وختم الباحث تدوينته بسؤال استنكاري يحمل، في جوهره، أكثر من معنى: كيف يمكن الحديث عن قوة الدول وكرامة الأوطان، إذا كان بعض أبنائها ينتهون غرباء بلا أسماء، بعيدين عن أسرهم وأرضهم؟
إنها، في النهاية، تدوينة لا تتوقف عند مأساة دفن الضحايا، بل تحوّل القبور المرقمة إلى رمز أكبر: رمز لمواطنين بحثوا عن مخرج من واقعهم، فابتلعهم البحر، ثم ظل السؤال معلقا بعد موتهم: من سيبحث عن أسمائهم؟ ومن سيعيدهم إلى أهلهم؟
تعليقات الزوار