السردين بـ20 درهماً.. كيف أصبح “سمك الفقراء” رفاهية في بلد من كبار منتجيه؟

هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد المواطن المغربي يحتاج إلى الذهاب إلى المطاعم الفاخرة لتذوق الأسماك، فقد أصبح يكفيه أن يتوجه إلى السوق الشعبي ويقف أمام بائع السردين، ليكتشف أن ما كان يوماً يعرف بـ«سمك الفقراء» بدأ يتحول شيئاً فشيئاً إلى مادة تثقل كاهل الأسر.
فقد سجلت أسعار السردين، صباح اليوم السبت، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد من الأسواق، حيث بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد بالدار البيضاء حوالي 20 درهماً، وهو سعر يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً بالنسبة للأسر محدودة الدخل التي كانت تعتمد على السردين باعتباره أحد أرخص مصادر البروتين.
وسرعان ما خرج أحد المهنيين لتقديم تفسير للارتفاع، مرجعاً الأمر إلى الإقبال الكبير على اقتناء الأسماك خلال فصل الصيف، بسبب توافد السياح المغاربة والأجانب وارتفاع الطلب.
لكن هذا التبرير، وإن كان العرض والطلب عاملاً مؤثراً في الأسعار، لا يكفي لإقناع المواطن الذي يجد نفسه أمام مفارقة يصعب فهمها: كيف يمكن لبلد يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية ضخمة ويعد من أبرز المنتجين، أن يصبح فيه اقتناء السردين عبئاً على ميزانية الأسر؟
وكلما ارتفع ثمن مادة غذائية، يبدأ البحث عن شماعة لتعليق الأزمة عليها، مرة يكون السبب في الطقس، ومرة في الوسطاء، ومرة في ارتفاع الطلب، واليوم يبدو أن السائح المغربي والأجنبي أصبح جزءاً من لائحة المتهمين بارتفاع أسعار السردين، وكأن المواطن المغربي مطالب بأن يعتذر للسائح لأنه يريد تناول السمك في بلده!
صحيح أن فصل الصيف يعرف ارتفاعاً في الاستهلاك، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه لا يتعلق فقط بعدد من يقبلون على شراء الأسماك، بل بمدى فعالية منظومة التوزيع والتسويق والمراقبة وقدرتها على حماية المستهلك من التقلبات الحادة.
فإذا كان ارتفاع الطلب في بضعة أسابيع قادراً على مضاعفة أو رفع أسعار منتوج يفترض أن يكون متوفراً في بلد منتج، فما الذي سيحدث عندما تتضاعف الضغوط على السوق؟
المواطن لا يهمه كثيراً أن يسمع عن تعقيدات السوق، بقدر ما يريد معرفة كيف ينتقل السردين من البحر إلى المائدة، وكيف يمكن أن يتحول منتوج بحري بسيط إلى سلعة يصل ثمنها إلى 20 درهماً للكيلوغرام في بعض الأسواق.
فالمشكل لا يتعلق فقط بما يبيعه الصياد في الميناء، بل بكل حلقات السلسلة التي تأتي بعد ذلك: النقل، والتخزين، والوسطاء، وأسواق الجملة، ثم البيع بالتقسيط.
وهنا يصبح من الضروري طرح سؤال حول هوامش الربح في مختلف هذه المراحل، ومدى وجود مراقبة فعلية تحول دون استغلال فترات ارتفاع الطلب لفرض أسعار لا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن.
لأن المواطن لا يمكن أن يظل الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة، يدفع في نهايتها ثمن كل اختلال، وكل مضاربة محتملة، وكل غياب للتنظيم.
المغرب بلد يمتلك مؤهلات بحرية هائلة، وقطاع الصيد البحري يمثل أحد القطاعات الاقتصادية المهمة. لكن المفارقة تظل قائمة حين يشعر المواطن أن الاستفادة من هذه الثروة لا تنعكس بالضرورة على ما يدفعه في السوق، فما قيمة الحديث عن الثروة السمكية إذا كان جزء من المواطنين يجدون صعوبة في شراء أبسط أنواع السمك؟
وما جدوى الأرقام المرتفعة المتعلقة بالإنتاج والتصدير، إذا كان “السردين”، الذي ظل لعقود رمزاً للغذاء الشعبي، يتحول تدريجياً إلى مادة تخضع لمنطق الأسعار المرتفعة؟
والمطلوب اليوم ليس فقط انتظار نهاية العطلة الصيفية حتى تنخفض الأسعار، كما يتوقع بعض المهنيين، لأن الحق في غذاء بأسعار معقولة لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بمغادرة السياح للشواطئ.
المطلوب هو توضيح حقيقي لما يحدث في سوق السمك، ومراقبة سلسلة التسويق، وضمان توازن بين مصالح المهنيين والمنتجين وقدرة المواطنين على الاستهلاك.
لأن السؤال الذي سيظل مطروحاً، كلما وقف مواطن أمام بائع السمك وسأل عن السعر، هو: كيف أصبح السردين غالياً إلى هذا الحد في بلد يسبح بين بحرين ويعد من كبار منتجيه؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد