هبة زووم – الدار البيضاء
سجلت أسعار السردين، صباح يوم السبت، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد من أسواق مدينة الدار البيضاء، حيث بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد حوالي 23 درهماً، في رقم يعيد إلى الواجهة سؤالاً أصبح يتكرر مع كل موجة غلاء: إلى متى سيظل المواطن البسيط يدفع ثمن اختلالات السوق دون أن يجد من يفسر له أسباب ارتفاع الأسعار؟
فالسردين، الذي ظل لعقود يحمل لقب “سمك الفقراء”، لم يعد في متناول الجميع كما كان في السابق. وبين ارتفاع أسعار اللحوم والدجاج والخضر وعدد من المواد الغذائية الأساسية، يجد المستهلك نفسه اليوم أمام مفارقة صادمة: حتى السمك الذي كان يشكل أحد أرخص مصادر البروتين أصبح يقترب من خانة المواد التي تحتاج إلى ميزانية خاصة.
وحسب مصادر متطابقة، فإن الارتفاع المفاجئ في أسعار السردين يعود إلى الإقبال الكبير على اقتنائه خلال هذه الفترة الصيفية، خاصة مع توافد السياح المغاربة والأجانب على المدن الساحلية، لكن تبرير الارتفاع بمجرد ارتفاع الطلب لا يكفي لإغلاق النقاش.
فالمواطن لا يعنيه فقط أن هناك إقبالاً موسمياً، بل يريد أن يعرف كيف ينتقل منتوج بحري يفترض أن يكون متوفراً في بلد يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية مهمة، إلى سلعة يصل ثمنها في الأسواق إلى 23 درهماً للكيلوغرام.
الأمر الأكثر إثارة للانتباه أن مهنيين في القطاع أنفسهم يتحدثون عن ارتفاع “غريب” للأسعار خلال السنة الجارية، إلى درجة أن بعضهم أصبح يجد صعوبة في اقتناء السمك. وإذا كان المهني، الذي يعرف السوق ومسالك التوزيع وأسعار الجملة، يجد نفسه أمام صعوبات في توفير المنتوج، فما الذي يمكن أن يقال عن المواطن البسيط الذي يقف في آخر سلسلة الاستهلاك؟ وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد موسم صيفي وإقبال سياحي.
هل يتعلق الأمر فعلاً بقانون العرض والطلب فقط؟ أم أن هناك حلقات في سلسلة التوزيع والمضاربة والوسطاء تساهم بدورها في رفع الأسعار قبل وصول السمك إلى موائد المستهلكين؟
فالمشكل الحقيقي في ارتفاع الأسعار لا يكمن فقط في الرقم المسجل في السوق، وإنما في غياب الوضوح حول المسار الذي تقطعه السلعة بين البحر والسوق.
كم يخرج ثمن السردين من الميناء؟ وكم يضاف إليه خلال مراحل النقل والتوزيع والوساطة؟ ومن يراقب الهوامش والأسعار عندما يتحول منتوج شعبي إلى مصدر جديد لاستنزاف القدرة الشرائية؟
ويرجح بعض المهنيين أن تعرف أسعار الأسماك استقراراً خلال الأيام المقبلة مع نهاية العطلة الصيفية وتراجع الطلب المرتبط بالموسم السياحي، لكن انتظار نهاية الصيف حتى تنخفض الأسعار لا يمكن أن يكون حلاً دائماً للمستهلك المغربي.
فالأمن الغذائي لا يعني فقط توفر المواد في الأسواق، بل يعني أيضاً قدرة المواطنين على اقتنائها بأسعار معقولة. وما جدوى الحديث عن ثروة بحرية ومؤهلات سمكية ضخمة، إذا كان جزء واسع من المغاربة يجد نفسه عاجزاً عن شراء أبسط أنواع الأسماك؟ فوصول ثمن السردين إلى 23 درهماً للكيلوغرام في مدينة مثل الدار البيضاء ينبغي ألا يمر باعتباره مجرد خبر عابر في نشرة الأسعار.
إنه مؤشر جديد على أزمة القدرة الشرائية، وعلى الحاجة إلى مراقبة أكثر جدية لمسالك التوزيع والأسواق وهوامش الربح، حتى لا يتحول “سمك الفقراء” نهائياً إلى وجبة موسمية لا يتذوقها الفقراء إلا عندما تنخفض الأسعار.
فالدار البيضاء ليست في حاجة إلى انتظار نهاية العطلة الصيفية من أجل أن يستعيد السردين ثمنه المعقول، بل تحتاج إلى جواب واضح: لماذا يرتفع سمك الفقراء بهذا الشكل؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المستهلك من موجات غلاء لا تنتهي؟