على من يضحك شوكي؟ خمس سنوات من الحكم ثم يكتشف اليوم أن التشغيل والقدرة الشرائية أولوية!

هبة زووم – الرباط
بعد خمس سنوات كاملة قضاها حزب التجمع الوطني للأحرار في قلب السلطة، وبعد أن كانت مفاتيح القرار الحكومي والاقتصادي والاجتماعي بين يديه، يخرج محمد شوكي اليوم ليخبر المغاربة باكتشاف سياسي عظيم: التشغيل وحماية القدرة الشرائية ستكونان في صدارة أولويات الحزب خلال المرحلة المقبلة!
والسؤال الذي يفرض نفسه، وبلا كثير من المجاملات: على من يضحك شوكي؟ هل يتحدث عن حزب كان في المعارضة، ينتظر دوره للوصول إلى الحكومة؟ أم عن حزب كان يقود الحكومة ويملك القرار والوزارات والميزانيات والبرامج، وشارك في صياغة السياسات التي يدافع عنها اليوم؟
لأن المواطن المغربي الذي اكتوى بالأسعار، وواجه البطالة، وشاهد قدرته الشرائية تتآكل، من حقه أن يسأل: إذا كان التشغيل والقدرة الشرائية أولوية اليوم، فلماذا لم تكونا كذلك خلال السنوات الخمس الماضية؟
شوكي نفسه يؤكد أن نجاح السياسات العمومية لا يقاس بالأرقام والمؤشرات، وإنما بأثرها المباشر على حياة المواطنين، وهنا لا نختلف معه، بل نطالبه فقط بتطبيق هذا المعيار على حصيلة حكومته.
فإذا كان المعيار هو المواطن، فماذا سيقول هذا المواطن عن سنوات ارتفعت خلالها كلفة المعيشة، وبقيت البطالة تحدياً ثقيلاً، بينما ظل الخطاب الحكومي يتحدث عن الإنجازات والمؤشرات والنسب والأوراش الكبرى؟
المغربي لا يعيش داخل جدول إحصائي، ولا يشتري حاجياته بالمؤشرات الاقتصادية، ولا يؤدي فواتيره بالأرقام التي تعرض في الندوات الصحفية، فالمواطن يعيش بالدخل، ويواجه الأسعار، ويبحث عن الشغل، ويدبر مصاريف السكن والنقل والتعليم والعلاج، ولهذا فإن الحديث اليوم عن “حماية القدرة الشرائية” يحتاج إلى أكثر من خطاب انتخابي منمق.
وفي سياق متصل، يقول شوكي إن مواجهة البطالة تتطلب تحفيز الاستثمار الخاص وربط التكوين بسوق الشغل، بعيداً عن الاتكال الكامل على الوظيفة العمومية، كلام جميل… لكن السؤال البسيط هو: ومن كان يمنع الحكومة من القيام بذلك خلال ولايتها؟ هل كانت الحكومة تفتقد الاستثمار؟ هل كانت تفتقد التشريعات؟ هل كانت تفتقد الميزانيات؟ هل كانت تفتقد الصلاحيات؟ أم أن الحزب لم يكتشف خطورة البطالة إلا بعدما اقترب موعد الانتخابات؟
فالحديث عن “المرحلة المقبلة” مريح جداً، لأنه يسمح للسياسي بأن يعد بما لم ينجزه في المرحلة السابقة، وأن يطلب من المواطن منحه فرصة جديدة حتى ينفذ ما كان يفترض أن ينفذه عندما كان القرار بين يديه.
أما القدرة الشرائية، فالقضية أكثر إحراجاً، حيث يربط شوكي تحسينها برفع المداخيل والأجور وخلق فرص الشغل، ويرفض اختزال الأزمة في الظرفية الدولية، وهذا أيضاً كلام سليم من حيث المبدأ.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يقدم للرأي العام حصيلة دقيقة لما قامت به الحكومة خلال خمس سنوات لحماية جيوب المغاربة؟ كم ارتفعت الأجور فعلياً؟ كم ارتفع الدخل الحقيقي للأسر؟ كم وظيفة مستدامة تم خلقها؟ كم شاباً خرج من البطالة إلى عمل قار؟ وكم ارتفعت تكلفة المعيشة خلال الفترة نفسها؟
هذه هي الأسئلة التي تهم المواطن.، أما أن نسمع اليوم أن «الأولوية ستكون التشغيل والقدرة الشرائية»، فذلك يشبه تماماً أن يصل رجل الإطفاء بعد خمس سنوات من اشتعال الحريق ليعلن أن إطفاء النيران سيكون أولوية في المرحلة المقبلة!
الأكثر إثارة في الخطاب هو الاستنجاد بمونديال 2030 باعتباره فرصة استراتيجية لإدماج الشباب، فلا أحد ينكر أن تنظيم التظاهرات الكبرى يمكن أن يخلق فرصاً اقتصادية وشغلية، لكن المونديال ليس برنامجاً انتخابياً ولا وصفة سحرية لعلاج البطالة.
الوظائف المستدامة لا تُبنى على أربعة أسابيع من المنافسات الرياضية، وإنما على اقتصاد منتج، واستثمار مستقر، ومقاولات قادرة على خلق القيمة، وتكوين يطابق حاجيات السوق، وسياسات صناعية واضحة.
وإذا كانت الحكومة تعتبر مونديال 2030 فرصة، فعليها أن تقول للمغاربة الآن: ما هي الوظائف التي ستخلق؟ وأين؟ وبأي أجور؟ وما نسبة المستدام منها؟ أما تحويل كأس العالم إلى ورقة انتخابية، فهذا لن يقنع شاباً يبحث عن عمل منذ سنوات.
شوكي يدعو إلى تجاوز التنافس الانتخابي الضيق وتقديم تعاقدات سياسية وبرامج عملية، ممتاز، لكن أول شرط لأي تعاقد سياسي هو المحاسبة على التعاقد السابق.
فقبل أن تقدم لنا الأحزاب برامج السنوات المقبلة، عليها أن تجيب عن سؤال السنوات الماضية: ماذا وعدتم؟ ماذا أنجزتم؟ ماذا فشلتم فيه؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟
لأن الانتخابات ليست مناسبة لإعادة تدوير الوعود نفسها كل خمس سنوات، المواطن ليس صفحة بيضاء يمكن محو ذاكرتها مع بداية كل حملة انتخابية، لقد سمع المغاربة وعوداً كثيرة، وشاهدوا أوراشاً كثيرة، لكنهم يريدون اليوم شيئاً بسيطاً: حصيلة قابلة للقياس.
إذا كان حزب الأحرار يريد فعلاً جعل التشغيل والقدرة الشرائية في صدارة أولوياته، فليبدأ من الآن، وقبل صناديق الاقتراع، بتقديم إجابات واضحة: لماذا لم تتحول هذه الملفات إلى نتائج ملموسة خلال الولاية الحكومية؟ لماذا يطلب الحزب ولاية سياسية جديدة لتنفيذ أولويات كان بإمكانه تنفيذها وهو في الحكومة؟ وما الذي سيتغير في المرحلة المقبلة؟ وما الضمانة بأن الوعود الجديدة لن تتحول، بعد خمس سنوات أخرى، إلى تصريحات جديدة تقول إن التشغيل والقدرة الشرائية ما زالتا “أولوية”؟
فالمغاربة لا يحتاجون إلى من يكتشف مشاكلهم كلما اقترب موعد الانتخابات، هم يعرفون مشاكلهم جيداً، يعرفون ثمن الخبز، والكراء، والنقل، والتعليم، والعلاج، ويعرفون معنى البطالة، ويعرفون ماذا تعني نهاية الشهر بالنسبة لأسرة محدودة الدخل.
لذلك، قبل أن يطلب شوكي من المغاربة أن يصدقوا الأولويات الجديدة، عليه أولاً أن يقدم لهم فاتورة السنوات الخمس الماضية، ففي السياسة، كما في الاقتصاد، لا يمكن أن تطلب ثقة جديدة قبل أن تشرح أين ذهبت الوعود القديمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد