من الرقمنة إلى مولد مهمل.. هل تحتاج حكامة كلية الطب بالدار البيضاء إلى افتحاص؟

هبة زووم – الدار البيضاء
في الوقت الذي ترفع فيه الجامعة المغربية شعارات الرقمنة وتجويد البحث العلمي وتحديث بنياتها، تطرح صور متداولة من كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء أسئلة جدية حول كيفية تدبير بعض التجهيزات التقنية الحساسة، بعدما ظهر مولد كهربائي صناعي من علامة Pegasus، مجهز بنظام تحكم إلكتروني من نوع Datakom، موضوعاً في الهواء الطلق، وسط مؤشرات على تعرضه للعوامل المناخية لفترة طويلة.
ووفق المعطيات المتداولة بشأن هذه التجهيزات، فإن المولد ظل، بحسب أصحابها، لأزيد من أربع سنوات دون تشغيل أو استغلال فعلي، في وقت يفترض فيه أن تشكل مثل هذه المعدات جزءاً من منظومة استمرارية الخدمات وحماية المنشآت والتجهيزات العلمية الحساسة.
وإذا تأكدت هذه المعطيات ميدانياً، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمولد كهربائي مركون في فضاء مفتوح، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول دورة حياة التجهيز العمومي: من قرار الاقتناء، إلى التركيب، ثم التشغيل، والصيانة، والمراقبة، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات عند تعطل الاستغلال.
المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن المؤسسة، بحسب المعطيات الواردة، تعرف انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، بينما يوجد داخل فضائها مولد احتياطي يفترض أن يؤدي وظيفة أساسية في ضمان استمرارية الطاقة.
وهنا تبرز أسئلة تقنية وإدارية لا يمكن تجاوزها بالشعارات: لماذا لم يدخل المولد الخدمة؟ هل كانت هناك أشغال ربط أو تهيئة حالت دون تشغيله؟ هل تم استلامه تقنياً وفق الشروط المطلوبة؟ وهل جرى إخضاعه للصيانة والاختبارات الدورية خلال الفترة التي ظل فيها غير مستغل؟
فالحديث عن الحكامة لا يبدأ من الأنظمة الرقمية والمنصات الإلكترونية فقط، وإنما يبدأ أيضاً من حسن تدبير التجهيزات الموجودة على الأرض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة جامعية تقوم على التكوين الطبي والبحث العلمي.
وتكتسي هذه المسألة أهمية أكبر داخل كلية للطب والصيدلة، بالنظر إلى طبيعة التجهيزات التي تعتمد عليها المختبرات ومرافق التكوين والبحث.
فأي انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي قد يفرض مخاطر تقنية على بعض المعدات الإلكترونية الحساسة، كما يمكن أن يؤثر، بحسب طبيعة الأجهزة ونظم الحماية المعتمدة، على معدات المختبرات وأنظمة التخزين والتجارب التي تحتاج إلى استقرار في التغذية الكهربائية.
لكن تحويل هذه المخاوف إلى خسائر فعلية، أو القول إن أجهزة بعينها تعرضت للتلف بسبب الانقطاعات، يحتاج إلى معطيات تقنية وتقارير صيانة أو خبرة تحدد طبيعة الأضرار وأسبابها، وهنا بالضبط تكمن أهمية فتح تحقيق تقني وإداري واضح، بدل الاكتفاء بتبادل المسؤوليات أو ترك الملف في منطقة رمادية.
الأكثر إثارة للانتباه في الصور المتداولة هو ظهور لوحة تحكم إلكترونية من نوع Datakom ضمن تجهيزات المولد، حيث تستخدم أنظمة من هذه الفئة في مراقبة وتشغيل المولدات الكهربائية، ويمكن أن تتضمن وظائف مرتبطة بالتشغيل الآلي عند انقطاع التيار، بحسب الطراز والتركيب المعتمد.
لكن وجود نظام تحكم متطور لا يعني، في حد ذاته، أن المولد قادر على العمل تلقائياً داخل الكلية؛ فذلك يتوقف على اكتمال الربط الكهربائي، والإعدادات، واختبارات التشغيل، وشروط السلامة، والصيانة، ومدى مطابقة المنظومة للتركيب الفعلي.
ولهذا فإن السؤال الأساسي ليس: لماذا توجد لوحة إلكترونية متطورة؟ بل: هل تم تركيب المنظومة كاملة وفق المواصفات؟ وهل تم اختبارها دورياً؟ ومن المسؤول عن متابعة جاهزيتها؟
المسؤولية هنا لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام شخص بعينه دون وثائق أو نتائج افتحاص. لكنها في المقابل تستحق إجابات دقيقة من الجهات المكلفة بالممتلكات واللوجستيك والصيانة داخل المؤسسة.
ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها: متى تم اقتناء المولد؟ وما قيمته المالية؟ هل تم تسلمه نهائياً، أم ظل في وضعية تقنية غير مكتملة؟
* لماذا لم يدخل الخدمة، إن صحت المعطيات المتداولة؟ هل توجد تقارير للصيانة أو اختبارات دورية؟ هل تم تسجيل أعطاب أو أضرار نتيجة بقائه في الهواء الطلق؟ ما طبيعة الانقطاعات الكهربائية التي تعرفها المؤسسة؟ وهل تم تقييم أثرها على المعدات العلمية والتجهيزات البيداغوجية؟ وفي حال وجود أضرار مثبتة، هل تم تحديد أسبابها ومسؤولياتها؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، بقدر ما تستهدف منظومة التدبير نفسها، لأن المال العمومي لا يقاس فقط بثمن شراء المعدات، وإنما أيضاً بقدرة الإدارة على ضمان استمرار صلاحيتها والاستفادة منها.
كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء تعلن رسمياً أن من مهامها التكوين الطبي والبحث في علوم الصحة، وأنها تشتغل وفق مبادئ الجودة والمسؤولية الاجتماعية، ومن ثم، فإن تدبير البنيات التقنية ليس ملفاً ثانوياً أو مجرد شأن لوجستي. إنه جزء من شروط توفير بيئة مناسبة للتكوين والبحث العلمي.
وإذا صحت المعطيات المتعلقة ببقاء المولد غير مستغل لسنوات، فإن المطلوب ليس فقط تشغيله في أسرع وقت، بل إجراء تقييم تقني مستقل يحدد وضعيته الحالية، ومدى قابليته للاستغلال، وكلفة إعادة تأهيله إن لزم الأمر، والمسؤوليات المرتبطة بتأخر تشغيله.
فالجامعة التي تتحدث عن الذكاء والرقمنة والبحث العلمي مطالبة أيضاً بأن تجيب عن سؤال أكثر بساطة وواقعية: كيف تُدار المعدات التي تم اقتناؤها بالفعل؟
والمولد الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عند انقطاع الكهرباء لا ينبغي أن يتحول، بسبب الإهمال أو سوء التخطيط ـ إن ثبت ذلك ـ إلى مجرد هيكل معدني ينتظر نهايته في الهواء الطلق، فالمال العام يحتاج إلى اقتناء مسؤول، وتشغيل فعلي، وصيانة منتظمة، ومحاسبة واضحة عندما تتعطل هذه السلسلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد