هبة زووم – الرباط
لم تمر نتائج الانتخابات التشريعية مرور الكرام داخل حزب التقدم والاشتراكية، الذي وجد نفسه، مباشرة بعد اقتراع 23 شتنبر، أمام السؤال الأصعب: ماذا بعد؟
السؤال لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها الحزب، وإنما بموقعه السياسي خلال الولاية المقبلة، وبالتحالفات التي يمكن أن يرسمها في مشهد برلماني جديد، خصوصاً بعدما أقر الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله بأن نتائج الحزب جاءت دون التطلعات والانتظارات.
وفي ندوة صحافية عقدها الحزب الجمعة 25 شتنبر، حاول بنعبد الله الإمساك بالعصا من الوسط، مؤكداً أن موقفه بشأن مستقبل تحالفات الحزب لا يزال موقفاً شخصياً، وأن الكلمة الفصل ستعود إلى مؤسسات الحزب، بدءاً من المكتب السياسي ثم اللجنة المركزية.
رسالة واضحة مفادها أن “الكتاب” لا يريد أن يحسم وجهته بقرار فردي، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تداول داخلي قبل تحديد موقع الحزب: هل يستمر في المعارضة؟ هل ينفتح على المشاركة الحكومية؟ أم يبحث عن صيغة ثالثة تحفظ له استقلاليته وتمنحه هامشاً أوسع للمناورة السياسية؟
بنعبد الله نفسه أقر بأن الصورة لم تتضح بعد، وأن أسئلة من قبيل «من؟ مع من؟ وكيف؟» مرتبطة أيضاً بمضمون البرنامج وما يمكن إنجازه واتجاهاته.
لكن خلف هذا التريث المؤسساتي توجد قصة سياسية أخرى أكثر إحراجاً: قصة اليسار الذي حاول أن يتوحد، ثم وجد نفسه عاجزاً عن بناء جبهة انتخابية موحدة.
فبنعبد الله لم يخف حسرة حزبه على عدم اكتمال التنسيق مع الاتحاد الاشتراكي، بعدما قطع الطرفان أشواطاً في اتجاه تقارب سياسي وتنظيمي، قبل أن تصطدم المبادرة بخلافات ومطبات، كان من أبرزها الموقف من ملتمس الرقابة ضد حكومة عزيز أخنوش.
وهنا تكمن إحدى مفارقات المشهد، فحزب التقدم والاشتراكية ظل يدفع باتجاه تنسيق أوسع داخل المعارضة، بل كان يعتبر توحيد الجهود لحظة ضرورية لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي، غير أن تجربة ملتمس الرقابة كشفت أن الاختلاف بين مكونات المعارضة لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل كان قادراً على إسقاط مبادرة سياسية بأكملها، وقد سبق لبنعبد الله أن حمّل خلافات بين أحزاب المعارضة مسؤولية إجهاض المبادرة.
والأكثر دلالة أن الاتحاد الاشتراكي كان قد أعلن في شتنبر 2026 أنه صاحب مقترح ملتمس الرقابة وأحد الموقعين عليه، ما يعكس حجم التقاطع الذي كان قائماً بين الحزبين في مواجهة الحكومة قبل أن تتعقد الحسابات السياسية.
أما محاولة الانفتاح على باقي مكونات اليسار، فلم تكن أكثر نجاحاً. فقد سعى التقدم والاشتراكية، بحسب بنعبد الله، إلى تقديم ترشيح مشترك قائم على برنامج يضم الحد الأدنى من التوافقات، لكن المشروع لم يرَ النور.
وهنا تطرح الانتخابات سؤالاً أكبر من مجرد التحالفات: لماذا عجز اليسار المغربي، بكل تاريخه وخطابه وشعاراته، عن ترجمة التقارب السياسي إلى قوة انتخابية مشتركة؟
هل المشكلة في اختلاف البرامج؟ أم في الحسابات التنظيمية؟ أم في صراع المواقع؟ أم أن الأحزاب اليسارية لم تعد قادرة على إقناع بعضها البعض قبل أن تقنع الناخب المغربي؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً بعد نتائج 23 شتنبر، لأن الانتخابات لم تكن مجرد موعد انتخابي، وإنما كشفت أيضاً حدود قدرة الأحزاب على بناء تحالفات انتخابية وسياسية قابلة للاستمرار.
والآن يجد التقدم والاشتراكية نفسه أمام مرحلة مختلفة، فالمعارضة التي كانت تجمعه بعدد من القوى السياسية قبل الانتخابات لم تعد بالضرورة هي نفسها بعد ظهور النتائج، والتحالفات التي كانت تُناقش في سياق مواجهة حكومة أخنوش أصبحت تُناقش اليوم في سياق تشكيل أغلبية جديدة وترتيب موقع كل حزب داخل البرلمان.
ومن هنا يمكن فهم إصرار بنعبد الله على أن القرار لن يكون شخصياً، وأن اللجنة المركزية ستقول كلمتها. فالحزب يدرك أن أي اختيار في هذه المرحلة ستكون له كلفة سياسية، سواء تعلق الأمر بالمشاركة أو المعارضة أو بناء صيغة تنسيق جديدة مع مكونات اليسار.
واللافت أن “الكتاب” لا يغلق الباب أمام المستقبل، بل يتحدث عن دراسة إمكانية تشكيل فريق نيابي مشترك مع تحالف اليسار، في أفق بناء جبهة يسارية أوسع.
لكن السؤال يبقى: هل تستطيع هذه المرة الأحزاب اليسارية تجاوز خلافاتها القديمة، أم أن الحديث عن الجبهة اليسارية سيظل مجرد مشروع مؤجل من انتخابات إلى أخرى؟
لقد أظهرت التجربة الأخيرة أن البيانات المشتركة والخطب السياسية لا تكفي لبناء تحالف. المطلوب هو اتفاق حقيقي حول البرامج، والمرشحين، وآليات القرار، وتقاسم المسؤوليات، ثم القدرة على تحويل ذلك كله إلى عرض سياسي يراه الناخب ويثق في جدواه.
أما الانتقال من المعارضة إلى احتمال المشاركة في الحكومة، إن طُرح، فسيحتاج بدوره إلى تفسير سياسي واضح للرأي العام: ما الذي تغير؟ وما الذي سيحصل عليه الحزب مقابل المشاركة؟ وما هي الشروط والبرامج التي سيدافع عنها؟
فالناخب الذي صوّت في 23 شتنبر لن ينتظر فقط معرفة من سيكون في الحكومة ومن سيكون في المعارضة، بل سينتظر أيضاً معرفة ما إذا كانت الأحزاب ستتعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها تفويضاً لخدمة المواطنين، أم باعتبارها مناسبة جديدة لإعادة توزيع المواقع والحقائب والتحالفات.
وبالنسبة إلى نبيل بنعبد الله وحزبه، فإن المرحلة المقبلة ليست مجرد تمرين في التفاوض حول التحالفات، وإنما اختبار لقدرة «الكتاب» على تحويل تجربته الطويلة في المعارضة إلى موقف سياسي واضح ومقنع ومؤسس على برنامج.
فبعد انتخابات كشفت محدودية التنسيق اليساري، وبعد ملتمس رقابة تعثر قبل أن يتحول إلى لحظة سياسية حقيقية، وبعد نتائج وصفها الأمين العام نفسه بأنها دون التطلعات، يبقى السؤال معلقاً: هل سيتمكن التقدم والاشتراكية من بناء جبهة يسارية جديدة، أم أن مفاوضات ما بعد الانتخابات ستعيد إنتاج نفس التصدعات التي عطلت التنسيق قبل الاقتراع؟
الجواب لن تصنعه التصريحات وحدها، بل ستصنعه قرارات مؤسسات الحزب، ومضمونات البرامج، وشكل التحالفات التي ستخرج إلى العلن خلال الأيام المقبلة.
تعليقات الزوار