هبة زووم – بركان
لم تنتهِ الانتخابات التشريعية بإقليم بركان بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، بل يبدو أن جزءاً من المعركة انتقل إلى ما هو أخطر من الأرقام والمقاعد: سؤال الحياد الإداري، وحدود تدخل السلطة الترابية في المشهد الانتخابي.
فإذا كانت النتائج النهائية قد أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ17 ألفاً و638 صوتاً، متبوعاً بحزب الاستقلال بـ12 ألفاً و184 صوتاً، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ6 آلاف و893 صوتاً، فإن الأرقام، في حد ذاتها، لا تجيب عن سؤال آخر ظل مطروحاً خلال الحملة الانتخابية: هل جرت المنافسة فعلاً في شروط متكافئة، أم أن بعض الفاعلين امتلكوا، بحكم مواقعهم، هامشاً أكبر للتأثير في المشهد؟
وهنا يبرز اسم عامل إقليم بركان، الشنوري، في سياق نقاش سياسي وإعلامي حول مزاعم انحياز السلطة الترابية لبعض المرشحين، وهي مزاعم سبق أن طُرحت قبل الاقتراع، ما يجعلها اليوم بحاجة إلى أجوبة واضحة، لا إلى الصمت ولا إلى الاكتفاء بطي صفحة الانتخابات بمجرد إعلان النتائج.
فالحديث عن الحياد الانتخابي ليس ترفاً سياسياً، ولا مادة للاستهلاك الإعلامي، إنه أحد الشروط الأساسية التي تمنح الانتخابات معناها الديمقراطي، وحين يتعلق الأمر بعامل إقليم، فإن المسؤولية تصبح أكثر حساسية، بالنظر إلى الموقع الذي يحتله داخل الإدارة الترابية وقدرته على تنسيق عمل عدد من المصالح والمؤسسات.
القانون الانتخابي نفسه واضح في بعض مقتضياته: فالمادة 36 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تمنع القيام بالحملة الانتخابية داخل الإدارات العمومية، كما تمنع الموظفين العموميين ومأموري الإدارة والجماعات الترابية، أثناء مزاولة عملهم، من توزيع منشورات المترشحين أو برامجهم أو وثائقهم الانتخابية. كما تمنع المادة 37 تسخير الوسائل والأدوات المملوكة للهيئات العامة والجماعات الترابية في الحملات الانتخابية بأي شكل من الأشكال.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل احترمت هذه الحدود بالكامل في إقليم بركان؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما الذي يفسر كل ما أثير من حديث عن تدخلات أو انحيازات أو استعمال للنفوذ؟ ومن يملك المعطيات الكاملة للرد؟ وهل جرى فتح أي بحث إداري أو قضائي بشأن الشكايات أو الادعاءات التي تم تداولها خلال الحملة؟
إنها أسئلة لا تستهدف شخص العامل الشنوري بقدر ما تستهدف المؤسسة التي يمثلها والمسؤولية المرتبطة بموقعه.
فالداخلية نفسها أعلنت قبل الانتخابات تفعيل لجان إقليمية لتتبع العملية الانتخابية، تضم الوالي أو العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك، في إطار تتبع سلامة الاستحقاق. وبالتالي فإن الحديث عن حياد الإدارة لا يمكن اختزاله في موقف انتخابي عابر، بل يتعلق بمصداقية المنظومة التي يفترض أن تضمن لجميع المرشحين شروطاً متكافئة.
والأكثر خطورة هو أن تتحول الانتخابات، في الوعي العام، من تنافس على البرامج والأفكار إلى ما يشبه “سوق عكاظ” انتخابية؛ حيث تختلط السياسة بالمال، وتختلط المنافسة بالنفوذ، ويصبح الناخب محاصراً بين الوعود والإغراءات والخدمات الظرفية.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بشراء الأصوات بالمعنى المباشر، بل بمنظومة أوسع يمكن أن تجعل الحاجة الاجتماعية مدخلاً للتأثير في القرار الانتخابي. وعندما يصبح الفقر أو الهشاشة أو الحاجة إلى خدمة إدارية أو اجتماعية قابلاً للتوظيف السياسي، فإن الضرر لا يصيب العملية الانتخابية وحدها، بل يمس جوهر حرية الاختيار.
ولهذا فإن مواجهة الممارسات غير القانونية لا ينبغي أن تكون مجرد تدخلات ظرفية خلال أيام الحملة، بل يفترض أن تكون جزءاً من حماية مستمرة للإرادة الحرة للناخب.
وفي بركان، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى كشف الحقائق بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات، فمن يدعي وجود انحياز إداري مطالب بتقديم ما لديه من قرائن ومعطيات، ومن ينفي تلك الادعاءات مطالب بدوره بتقديم ما يبدد الشكوك، والسلطات المختصة مطالبة، متى وجدت شكايات أو معطيات جدية، بالتعامل معها وفق القانون.
أما تحويل الموضوع إلى مجرد صراع بين المرشحين، فسيكون أسهل الطرق لإغلاق الملف من دون الإجابة عن الأسئلة الحقيقية.
واللافت أن نتائج بركان نفسها لا تسمح بإسناد نجاح أو إخفاق انتخابي إلى عامل الإقليم، ولا يمكن تحويل ترتيب الأحزاب إلى دليل على وجود انحياز إداري. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج، وجاء الاستقلال ثانياً، والأحرار ثالثاً، بينما حصل العدالة والتنمية على 4 آلاف صوت، وفق النتائج النهائية المتداولة.
لكن النتائج لا تعفي من مساءلة شروط المنافسة، فالديمقراطية لا تُقاس فقط بمن فاز ومن خسر، وإنما أيضاً بالطريق التي سلكها الجميع للوصول إلى الصندوق.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتخابات 23 شتنبر ليس: من استفاد ومن تضرر فقط؟ بل هل استطاعت الإدارة الترابية في بركان أن تقنع جميع المتنافسين والناخبين بأنها كانت على المسافة نفسها من الجميع؟ل
ذلك هو جوهر القضية، فالعامل ليس مرشحاً، ولا حزباً، ولا طرفاً في السباق الانتخابي. وكلما ارتفع موقع المسؤول داخل هرم الإدارة الترابية، ارتفع معه واجب التجرد والحياد، لأن أي انطباع بوجود انحياز يمكن أن يتحول إلى أزمة ثقة تتجاوز نتائج اقتراع واحد.
واليوم، وبعد أن قالت الصناديق كلمتها، يبقى على من يملك المعطيات والوثائق أن يكشفها، وعلى الجهات المختصة أن تميز بين المنافسة السياسية المشروعة وبين استغلال النفوذ، وبين الادعاء غير المثبت والمخالفة التي يمكن إثباتها قانوناً، أما ترك الأسئلة معلقة، فلن يؤدي إلا إلى تغذية الشكوك.
وفي بركان تحديداً، يبدو أن الانتخابات انتهت في صناديق الاقتراع، لكنها لم تنتهِ بعد في دفتر أسئلة الحياد والمساءلة، والسؤال الأشد إلحاحاً الآن: من يراقب حياد من؟ ومن يملك الشجاعة لفتح كل الملفات التي رافقت انتخابات 23 شتنبر بالإقليم، بعيداً عن الحسابات الحزبية والانتخابية؟