سؤال إلى الرميلي.. ماذا استفادت الدار البيضاء من تنازل أكرم عن المركب الاصطيافي والسياحي لفائدة بنسودة؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
كان الرأي العام البيضاوي ينتظر، منذ أسابيع، خبراً من العيار الثقيل: جماعة الدار البيضاء تسترجع أحد ممتلكاتها الجماعية، المركب الاصطيافي والسياحي والرياضي «ليدو»، بعد سنوات من الجدل حول طريقة تدبير واستغلال هذا العقار.
لكن يبدو، وفق المعطيات والوثائق التي أحيلت على أعضاء المجلس والنقاش الذي شهدته لجنة الممتلكات والتعمير، أن الحكاية تسير في اتجاه مختلف تماماً.
فبدل أن تسترجع الجماعة المركب، وتعيد طرحه لاحقاً في إطار منافسة مفتوحة وشفافة، يظهر أن الاتجاه هو نحو إبرام عقد كراء جديد مع شركة أخرى، مع إحلال شركة بنسودة محل شركة عبد الإله أكرم، وبشروط العقد السابق، وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة المحرجة.
إذا كانت الجماعة قد قررت فعلاً استرجاع المركب، فما الذي تغير؟ ولماذا تحولت فكرة الاسترجاع إلى مسطرة تتيح، وفق المعطيات المتداولة، لشركة أخرى أن تحل محل الشركة السابقة في الاستفادة من عقد كراء المركب؟ وهل نحن أمام استرجاع حقيقي للملك الجماعي، أم أمام مجرد تغيير في اسم المستفيد من عقد الاستغلال؟
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً تقنياً، وإنما جوهر القضية كلها، فالملك الجماعي ملك للمدينة وساكنتها، وأي قرار يتعلق باستغلاله يفترض أن يخضع لمنطق حماية المال العام وتحقيق أفضل عائد ممكن للجماعة، وليس فقط البحث عن صيغة تسمح باستمرار الاستغلال لفائدة طرف جديد.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح على رئيسة جماعة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، ليس فقط: هل الصفقة قانونية؟ فالحد الأدنى المطلوب من أي تدبير عمومي هو أن يكون قانونياً ومفيداً للجماعة ومربحاً للمدينة.
لذلك نسأل: ماذا استفادت الدار البيضاء من هذه العملية؟ كم ستدخل خزينة الجماعة سنوياً من هذا الكراء؟ هل تم تقييم القيمة الحقيقية للعقار والمركب والمنشآت التابعة له؟ هل السومة الكرائية الجديدة تتناسب مع القيمة السوقية للموقع؟ وهل كانت هناك إمكانية لرفع المداخيل بشكل أكبر عبر طلب عروض جديد ومفتوح أمام جميع المستثمرين، بدل الاقتصار على صيغة إحلال شركة محل أخرى؟ ولماذا لم تسترجع الجماعة “ليدو”؟ هذا هو السؤال الأكبر.
إذا كانت جماعة الدار البيضاء تتحدث عن استرجاع ممتلكاتها، وإذا كان «ليدو» ملكاً جماعياً، فلماذا لا تتم عملية الاسترجاع أولاً، ثم تحديد مستقبل المركب وفق دفتر تحملات جديد ومنافسة شفافة؟
لماذا يبدو أن المسار يسير في الاتجاه المعاكس؟ فالجماعة، بدل أن تقول: استرجعنا ملكنا وسنبحث عن أفضل مستثمر وأفضل عرض، تبدو، بحسب الوثائق والنقاشات المتداولة، أمام سيناريو أقرب إلى: تغيير الشركة المستفيدة واستمرار عقد الكراء.
وهذا تحديداً ما يستوجب التوضيح للرأي العام، من يدبر الملف؟ ومن يضمن مصالح الجماعة؟ فالمسألة لا تتعلق بشخص عبد الإله أكرم، ولا بشركة بنسودة وحدها، وإنما بكيفية تدبير أصل عقاري جماعي ذي قيمة اقتصادية وسياحية ورياضية.
ومن حق أعضاء المجلس والرأي العام أن يعرفوا: من اقترح هذه الصيغة؟ من أعد الملف؟ ما الأساس القانوني لإحلال الشركة الجديدة؟ ما قيمة السومة الكرائية؟ هل تم تحيينها وفق القيمة الحالية للعقار؟ ما هي مدة العقد؟ ما الالتزامات الاستثمارية المفروضة على المكتري الجديد؟ وهل تمت مقارنة هذه الصيغة مع خيار طلب عروض دولي جديد؟ وما الذي ستربحه الجماعة مقارنة بما كان يمكن أن تحققه من خلال منافسة مفتوحة؟
هذه ليست أسئلة تشويش، بل أسئلة صميم الحكامة المحلية، فالخطير في مثل هذه الملفات أن يتحول النقاش إلى مجرد مسطرة إدارية تقنية، بينما يغيب السؤال الأساسي: هل حققت الجماعة أفضل مصلحة ممكنة للمال العام؟ فالممتلكات الجماعية ليست ملكاً للرئيسة ولا للمجلس ولا لأي منتخب أو مسؤول، إنها ملك للمدينة.
وكل عقد كراء أو تفويت حق استغلال يجب أن يُقاس بمؤشر واضح: كم ستستفيد منه جماعة الدار البيضاء وساكنتها؟ أما إذا كان الأمر مجرد انتقال للاستغلال من شركة إلى أخرى بالشروط نفسها، فهنا يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الجماعة قد حققت فعلاً قيمة مضافة، أم أنها اكتفت بإدارة الوضع القائم تحت غطاء مسطرة جديدة.
ولهذا ستكون الدورة الاستثنائية المقبلة لجماعة الدار البيضاء مناسبة حقيقية لطرح هذه الأسئلة بعيداً عن المجاملات، فالمنتخبون الذين سيصوتون على عقد الكراء مطالبون بأن يعرفوا كل تفاصيل العملية قبل التصويت، والرأي العام البيضاوي من حقه أن يعرف لماذا اختارت الجماعة هذا المسار دون غيره.
فإذا كانت الصفقة في مصلحة المدينة، فلتخرج الأرقام إلى العلن، وإذا كانت السومة الكرائية عادلة، فليتم الكشف عنها، وإذا كان إحلال شركة بنسودة يحقق للجماعة مكاسب أفضل، فليتم تقديمها بالأرقام، وأما أن يقال للبيضاويين إن الجماعة تسترجع ممتلكاتها، ثم يجدون أنفسهم أمام عقد كراء جديد للمركب نفسه، فهذا سيناريو يحتاج إلى شرح أكثر من مجرد محضر إداري.
السؤال اليوم ليس من سيستغل “ليدو”؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا ربحت الدار البيضاء؟ ومن ضمن لها أن تحصل على أفضل عرض ممكن؟ ولماذا لم تسترجع الجماعة المركب أولاً قبل فتح باب الاستغلال من جديد؟ هذه الأسئلة، يا الرميلي، ليست ترفاً إعلامياً… إنها أسئلة المال العام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد